عماد استيتو: ما معنى أن تكون صحفيا في المغرب

  • 0
عماد استيتو

صحافي وشاعر من المغرب

 لا أعرف لماذا لا يتبادر إلى ذهني سوى نفسي أو أصدقاء صحفيون أعرفهم كلما قرأت خبرا أو إحصائية تشير إلى أن الصحفيين أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية أو الجنون دون غيرهم. أتصور زميلي الصحفي المتنقل بين مدينة وأخرى لأكثر من مرتين أو ثلاثة في الأسبوع لإنجاز تحقيقين أو أكثر في ظرف أقل من أسبوع. نعم تحقيقان صحفيان في ظرف أقل من أسبوع، على الصحفي أن يتحول إلى “هولك” الخارق الذي في استطاعته السفر ذهابا وإيابا إلى مدينة منسية في المغرب العميق ثم العودة إلى مكتبه ليعيش تعذيبا نفسيا أكثر قساوة بأن يكتب 5 آلاف إلى 7 آلاف كلمة، نعم 7000 كلمة وأحيانا أكثر. ولن يعفيه كل هذا المجهود بطبيعة الحال من ملاحظات رئيسه الذي يشرب قهوته الساخنة في مكتبه الذي التحق به على الساعة العاشرة صباحا بعد عطلة نهاية أسبوع مريحة.

الصحفي المغربي لا يحتاج إلى أن يسافر إلى جبهات القتال في سوريا والعراق أو ليبيا ليختبر العذاب، لأنه يذوقه بشكل يومي في مؤسسته الصحفية التي حولت الصحفي إلى آلة للكتابة وأفقدته الشعور بآدميته. يعيش الصحفيون حالة تشبه إلى حد كبير “العبودية المختارة”، فكل ما يهم المقاولات الإعلامية في المغرب هو أن تستنفدك بدنيا إلى أقصى الدرجات حتى تعوض الراتب الهزيل الذي تدفعه لك مقابل خدماتك، لذلك فرؤساؤك ليسوا مسؤولين عما قد يطالك من عياء أو تعب أو مرض نتيجة الإجهاد بسبب ضغط العمل والتكليفات التي لا تنتهي.

أعرف صديقا كان مسافرا إلى منطقة معزولة لإنجاز روبورتاج، كان قد وصل إلى التو وشرع في عمله الميداني، واتصل به مديره في العمل ليطلب منه أن يبحث عن خبر رئيسي للنشر وأن يقوم بتحريره بسرعة ليكون جاهزا قبل منتصف النهار وأن ينهي الربورتاج وتحريره قبل نهاية اليوم الموالي. وأعرف زميلا آخر بعثته مؤسسته الصحفية لإنجاز تحقيق خارجي وسلمته مبلغ هزيلا لا يتجاوز 500 درهم كتعويض عن النقل والمبيت وغيرها من المصاريف. وحدث أن اضطر هذا الزميل إلى الاتصال بأصدقائه في الرباط ليتصلوا بدورهم بأصدقائهم في تلك المدينة لينجدوه ويقرضوه مبلغا يمكنه من اقتناء تذكرة سفر العودة. ولم تعوضه المؤسسة بطبيعة الحال عن التكاليف الإضافية التي تكبدها. وهناك قصة شهيرة أخرى لصحفي كان في جنازة والده واتصل به رئيسه ينهره لعدم حضوره إلى المكتب.

حولت المقاولات الصحفية في المغرب الصحفيين إلى مناضلين رغما عنهم، وحينما يقرر الصحفيون أن يكونوا مناضلين حقيقيين مدافعين عن القضايا الحقيقية التي تمس صميم مهنتهم  واستقلاليتها أو تلك المتعلقة بالشروط الموضوعية لاشتغالهم، فإنهم يتعرضون لأبشع صنوف العقاب والانتقام والتضييق والمحاربة. لأن المؤسسة الإعلامية المغربية التي لا تختلف كثيرا عن أي معمل صناعي يستغل عماله الضعفاء، تريدك مطيعا راضيا بمصيرك المأساوي، ولا تقبل بأن يكون لصحفييها أي رأي مختلف أو أي مطالب نقابية تستهدف تحسين وضعيتهم. هناك صحفيون طردوا لأنهم تضامنوا مع زميل لهم طرد بطريقة مهينة. وصحفيون آخرون خيروا بين كتابة مقالات تحت الطلب موقعة بأسمائهم أو المغادرة، وهلم جرا.

لا عزاء للصحفي المغربي المسكين سوى جملة المواساة البائسة الشهيرة القائلة إن “الصحافة مهنة المتاعب”، ولكي يجني خبز يومه عليه أن يقبل بكل الإهانات اليومية وحفلات التعذيب النفسية السادية التي يتعرض لها، وإلا فسيكون مصيره عطالة طويلة بسبب تضامن أرباب المقاولات الإعلامية الذين يعلنون حربا شعواء ضد تشغيل أي صحفي له سوابق في قول كلمة “لا” مهما بدت معقولة. أحد زملائي يقول لي دائما إن لا حياة له، لأنه يحمل معه هموم عمله والضغط الذي يتعرض له أينما حل، إن هذه المأساة تطارده حتى في دورة المياه. إن الصحفيين في المغرب من المعذبين في الأرض.

*المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments