حسن أوريد: أيها الأحرار.. ديهية تخاطبكم

  • 0
الروائي والمفكر المغربي حسن أوريد

الروائي والمفكر المغربي حسن أوريد

أبنائي وبناتي البررة من ربوع تامازغا، إنني لأدرك حرقتكم وقد تجاسرت علي أيادي الظلام، وثلمت نصبي وأوقدت عليه النار، هذا الذي يقوم في مدينة باغاي من ولاية خنشلة، عروس الأوراس.. إنني لأدرك حرقتكم بعد تواتر الضيم عليكم، ليس في الماضي البعيد فحسب، بل في حاضرنا. قُتل أبنائي غداة الاستقلال و رُموا بالفتنة، وهم من أدى الثمن الغالي في معركة الاستقلال بنوميديا وموريطانيا.  وتجاسر عليكم، غير بعيد، الأدعياء الجهلة ببذيء القول. ومتى كان الانتماء إلى الأوراس سُبّة؟ ومتى كان الوفاء للتاريخ زيغا، ومتى كان الدفاع عن الأرض والعِرض عارا؟

نعم هو قانون الغلبة، وشِرْعة المنتصر الذي يفرض تصوره ونظرته.. لست أذكركم ما تعرفون، ولكني دافعت عن أرضي، واسترخصت من أجل ذلك خيرة أبنائي، ووثقت بالغازي ولم أُقدّر أنْ سينقض العهد الذي أبرم… هُزمتُ ليس من جبن، وليس من خوَر أو نقص عزم، ولكني لأني آمنت بسمو الكلمة، وبالعهد إذا قُطع. هذا الذي هزمني، ولا أريدكم أن تُهزموا مما هزمت منه..

إني لفخورة بكم، فخورة بهذه الاستماتة التي جعلتكم تصمدون لأعاصير التاريخ، لم تُضيعوا لغتكم، ولم تُضيعوا الروح الثاوية في هذا اللسان، وهو الأهم.. وهي هذه الروح التي جعلتني أنبعث دوما، انبعثت في شخص للافاظمة ن سومر في  منطقة القبائل (أزواوة)، وفي شخص تاوكرات نايت عيسي في الأطلس المتوسط (فزاز)، أو عدجو في سفوح جبل صاغرو..

“إن غايتي التي تجعلني عيني متوقدة تأبى النوم، هي وحدتكم… وهل هناك أمٌّ ترضى أن يتوزع أبناؤها وتقبل بذلك؟ وتعرفون أن الغازي هو الذي يحرص على هذه الفُرقة، وهو الذي بعد أن استحكم من الرقاب بالسيف، ساسهم بالأسطورة…”

إني لفخورة بكم أنكم استبدلتم سلاح الحرب بسلاح العلم، ومعارك اليوم تخاض بالعلم والذكاء ودقة التنظيم… ولذلك لا أريد أن يستبد بكم الغضب، لأن الغضب شر نصيح.. لقد نفثتم الروح على جذوة لساني فأخذ ينتعش بعد قرون من الخمول، ومسحتم الغبار من تاريخ أرضي، فأخذ يبرأ من الأراجيف و ينأى عن القراءات الإيديولوجية المغرضة، واقتحمتم الساحة العامة، فأصبح لكم ذِكر وحضور. كل هذا بفضل تضحياتكم، ولكني من موقع مقعدي في التاريخ، أخشى عليكم  أن يتبدد هذا الرصيد، أخشى أن يذهب في معارك جانبية، وأن تُدفعوا للخطأ ويُستغل ضدكم…

إن غايتي التي تجعلني عيني متوقدة تأبى النوم، هي وحدتكم… وهل هناك أمٌّ ترضى أن يتوزع أبناؤها وتقبل بذلك؟ وتعرفون أن الغازي هو الذي يحرص على هذه الفُرقة، وهو الذي بعد أن استحكم من الرقاب بالسيف، ساسهم بالأسطورة…

لقد تلألأت نجوم في سماء مدلهمة، في نْفوسة وأزاود وتاغرضيات وأسامَّر… إن لسانها لواحد، مهما اختلفت تعابيره، وهو الوحدة. إن الظرف لمُؤات.. والطريق المختصر لذلك هو التجربة الكونية… سمعتكم ترددون قولا أثلج صدري، وهو أن النهر يكون وفيا للنبع حين يصب في البحر… اغترِفوا من التجربة الكونية، واجعلوا أداتكم التربية، ولا تدفعوا بخصوصية وانأوا عن السجالات العقيمة. إن خصومكم ليستغلون ذلك، وهم يقتحمون العالم من غير رؤية، سوى ما أثبت التاريخ فشله.. لا تمكنونهم منكم بالوقوع في السجالات التافهة. دعوهم في ضلالاتهم يعمهون، كما يقولون  بلسانهم. ارتبطوا فيما بينكم، وانسجوا علاقات بينكم، وتبادلوا التجارب، واستمعوا لبعضكم البعض، واسلكوا سبل النضال الحضاري وانأوا عن العنف، حتى ولو مسكم الضر وحاق بكم الظلم..

لست أود أن أنتصب مؤدبة عليكم، ولكني أمكم الرؤوم التي تتشوف أن تديلوها مما مسّها من ضيم وما حاق بها من ظلم، أحدثكم  غيرة عليكم وأذكركم قول فيلسوف قريب منا شيشرون: لا ريح مؤاتية لمن لا يعرف قصده…

إيمازيغن كان يان أورْ دا تبطّون (الأمازيغ شعب واحد لا  يفترق)..

*المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments