سلام كواكبي: مقابل الإثارة .. هل من فكر ؟

  • 0

ربما تكون تصرفات حركة “فيمين” لا تليق بالمسألة النسوية في المطلق، فهي تواجه انتهاكات حقوق المرأة بترسيخ المفهوم الجنسي للمرأة بعيداً عن المفهوم الجنساني. بالمقابل، فاللجوء إلى التعبير بالجسد ليس عملاً سيئاً بالمطلق، فإن كان الكائن البشري “المنحرف” أخلاقياً وفكرياً يربط هذا الجسد بالكثير من الأساطير والتوظيفات، فلا يضرّ أن يكون هذا الجسد/الضحية هو أداة دفاعية في وجه مختزليه أو مُهينيه أو مُنتهكيه أو حتى، مُغتصبيه.

تستمر تجليّات هذه المجموعة في عديد من المحافل واللقاءات وعلى مسارح الكثير من الأنشطة السياسية كما الفنية، للتعبير عن الاحتجاج ضد انتهاكات تصيب المرأة أو الإنسان عموماً. فتارة تراهم في كاتدرائية النوتردام في باريس للتعبير عن رفض موقف الكنيسة بخصوص بعض الممارسات الاجتماعية، أو أمام إحدى سفارات الدول التي لا يعرف قادتها السياسيون والعسكريون معنى للحرية. كما أنهن يتعروّن في أماكن سياحية للفت النظر إلى قضية مُتبناة.

“خطوة “الفيمين” استعراضية، ولكنهن تجرأن على مواجهة ذهبت بعيداً في تطرفها لمقابلة تطرف ذهب بعيداً في ظلاميته”

آخر “إنجازاتهن” هو الصعود بصدورٍ عارية على منصة قاعة في ضواحي باريس، كان يُعقد فيها لقاء نظّمته مجموعات سلفية فرنسية حول دور وموقع المرأة في المجتمعات الاسلامية. وقد تلقيّن ما لذّ وطاب من اللطم والركل فور قيامهنّ بخطوتهن. وتم سحبهن إلى الكواليس من قبل المكلفين بحماية “أمن” اللقاء.

هناك الآن قضايا تنظر بها المحاكم مقدمة من طرفي “المعركة”. فجمعية “فيمين” تعتبر بأن عضواتها تعرضن للضرب في مكان عام. أما منظمي اللقاء من الجماعات السلفية، فهم يعتبرون بأن ما جرى هو انتهاك لسلامة الحضور وأمنهم.

أسالت هذه الحادثة الكثير من الحبر للكتابة عنها وعن تفاصيلها. وانتقدها الكثيرون، ليس فقط من مؤيدي الحركات السلفية، بل أيضاً ممن ينتقد بشكل عميق ومُفسّر هذه الظاهرة. كما اعتبرت بعض الأقلام بأن تلكم السيدات لا يفعلن إلا الإساءة أكثر لقضيتهن الأساس وهي احترام حقوق ومكانة المرأة في المشهد العام.

وعكس المُبتغى، فلم تُثر هذه الحركة الاستعراضية الاهتمام بمحتوى ما كان السادة السلفيون يتناولونه على منبرهم المُرخّص من قبل السلطات البلدية في هذه الضاحية الشعبية. وقليلة هي الإشارات التي وردت حول العبارات الإقصائية، والتي تحطّ من إنسانية المرأة وتُظهرها كوعاء شهوة أو كعبد أمين، بالاعتماد طبعاً وكما دائماً، على نصوص “مقدسة” لا يُعرف لها من أصلٍ ولا من فصل إلا في “اجتهادات” مُطلقيها. والطريف في الأمر، بأن من تابع فيديوهات اللقاء، استمع إلى “فضائح” أخلاقية و”بورنوغرافيا” لفظية، خجلت مجلات الجنس الرخيص أن تُقاربها في أيٍ من نصوصها.

فبالاعتماد على عبارة “لا حياء في الدين”، نجد بأن ما ورد على ألسنة هؤلاء لا يحتاج لتأويل من يمينٍ متطرفٍ أو من مسيحيةٍ متزمتةٍ أو من أعداء الإسلام عموماً، ليكون بمثابة إهانة للعقل وللمنطق. فمن فمك أدينك. دعوات لممارسة العنف ضد المرأة، دعوات لمعاشرتها جنسياً على الرغم منها (يسمونها باللغة القانونية، اغتصاب) إلخ… ومئاتُ من النسوة مسمّرات في القاعة يستمعن إلى جلاديهن برضا المغلوب على أمرهن.

حركة "فيمن" هل تسيء أفعالها للمرأة؟

حركة “فيمن”
هل تسيء أفعالها للمرأة؟

خطوة “الفيمين” استعراضية، ولكنهن تجرأن على مواجهة ذهبت بعيداً في تطرفها لمقابلة تطرف ذهب بعيداً في ظلاميته. بالمقابل، يفتقد المجتمع الاسلامي عموماً إلى نساء ورجال يستطيعون مواجهة هذا التخلف الذهني والتنديد به. الخوف من التكفير هو أساسي في إبعاد الثلّة الواعية من رجال الدين والمفكرين المتبحرين في شؤون النص عن التعبير العمومي. هم يكتبون في صحائف مقروءة من قبل نخبة تؤمن برجاحة تحاليلهم. ولكنهم لا يصلون إلى عامة المؤمنين الخاضعين يومياً إلى عمليات تجهيل وتفريغ من العقل ومن المنطق. هم لا يجرؤون مثلاً أن يصعدوا إلى منصة هذه القاعة حيث يُنشر العفن لإيقاف الخطيب عن جرمه والتوجه بكلام العقل والمنطق المؤمن إلى الجموع المتلقفة.

سيكون للدين، أي دين، مكانته السامية في المجتمع، أي مجتمع، متى تمكن الصادقون والواعون من الكلام فيه وعنه بدون أية وصاية مصالحية أو غير أخلاقية من المتربعين على حيوات الناس ممن يسمون ذواتهم برجالاته. واستعراضات “فيمين” ستكون تافهة ولا محل لها مقابل صعود العقلاء إلى منصات الكلام. وإلا، فالمستقبل القريب جداً سيكون وبالاً على الجميع، وخصوصاً على المؤمنين والمؤمنات، وذلك على أيدي من يسرق إيمانهم من جهة أو من يحاربه من جهة أخرى.

*هنا صوتك- القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments