المرحوم أحمد معنينو يكتب عن قائد انتفاضة الريف

  • 0

جمال أمزيان – في التاسع من شهر سبتمبر الجاري، حلت الذكر 19 لرحيل قائد انتفاضة الريف 58-1959 ميس ن رحاج سلام أمزيان، والذي وافته المنية يوم 9 شتنبر 1995 بمدينة برخن أوب زوم بهولاندا. وبهذه المناسبة سأنقل نصا مقتبسا من مذكرات المرحوم الحاج أحمد معنينو في جزئها السادس تورد ظروف التقائه برئيس ثورة الكرامة، يقول معنينو ابتداء من صفحة 79:

“وجاء دور المتهم الرابع وهو السيد محمد الحاج سلام أمزيان رئيس الثورة الريفية، وهو طالب مجد وعالم متخرج من كلية القرويين، وله معرفة بمادة الرياضيات ويتقن لعبة الشطرنج! كما أنه ذو أفكار نيرة، حيث يطالع الصحف والمجلات والكتب الحديثة، وبمعنى أوضح، فهو رجل وقته علما وأدبا وحكمة وتواضعا. كما أن ملفه يحتوي على وثيقة واحدة وهي رسالة بخط يده يهدد فيها الحكام…؟ فقال له الأستاذ الدبي عند استنطاقه: “ما هو الداعي لهذه الرسالة وأنت من أنت علما وتفهما للأوضاع؟ ما الذي حملك على هذه الرسالة الخطيرة؟” فأجابه: “يا سعادة القاضي، عندما حضر المخازنية يركبون الفرسان ليأخذوني من منزلي، خرجت بنتي الصغيرة للباب، وما هي إلا لحظة وقد وقعت تحت رجل الفرس فمزق أمعاءها وأصبحت ميتة! ولما خرجت من بيتي وجدت بنتي ممزقة وبطنها مفروع، رغم ذلك أخذت بالقوة، وتركت أفراد عائلتي في حالة يرثى لها. في هذه الظروف التي لا يمكنني وصفها حررت هذه الرسالة. ومن ألطاف الله أنني ملكت أعصابي حتى لا أرتكب جريمة قتل؟ نعم، كان في استطاعتي أن أقتل هذا المجرم الذي قتل بنتي وقرة عيني، لكنني تراجعت وأخذت وزرن الأمور ورفعت أمري لله واكتفيت بكتابة هذه الرسالة”. تأسف القاضي كثيرا وأرجع المتهم إلى السجن.

الحاج أحمد معنينو

الحاج أحمد معنينو

وفي اليوم الموالي كلمني الأستاذ الدبي بالهاتف وطلب مني الحضور عنده حالا. وبعد أن عرفني بشخصية السيد محمد الحاج سلام أمزيان وما وقع لطفلته البريئة وخطورة الرسالة التي توجد بملفه قال لي:” هل في استطاعتك أيها الأخ أن تكون ضامنا له؟ فتساءلت وكيف ذلك؟ فأجاب:” أن تحرر لي رسالة تتحمل فيها مسؤولية حضوره للمحكمة في اليوم الذي سيحدد فيما بعد، وإقامته الإجبارية بالرباط وسلا طيلة هذه المدة، وأن لا يرجع إلى الريف قبل أن تقول المحكمة كلمتها فيه”. فأجبته بالموافقة وطلبت منه أن يحرر الرسالة كما يريد وأنا أمضيها. والحال أنني لا أعرفه في شخصه حق المعرفة، ولم يسبق أن تقابلت معه! لكن ما يلغني عنه جعلني أتحمل المسئولية دون تردد.

كنت أنتظره عند أحد الإخوان بدكانه قرب باب الخباز بسلا، فوقف أمامي رجل سلم علي وعرفني باسمه فقبلته وحمدت الله على سراحه، فأخبرني أن سيادة وكيل الملك قد أطلعه على تحملي مسؤولية إطلاق سراحه من السجن قبل أن تقول العدالة كلمتها فيه، ثم شكرني على مساعدتي له. دعوته لبيتي وجمعت عليه بعض الأصدقاء الذين ربطوا معه الاتصال، وأصبحوا يكرمونه واحدا واحدا. وفي إحدى المرات، ذهبنا للعشاء عند الأخ عبد السلام بنسعيد، وجلس معنا صهره السيد حجي بوشعراء الذ كان له ضلع كبير في علم التوقيت! فدار الكلام بينه وبين السيد محمد الحاج سلام أمزيان الذي يهتم بهذا العلم كذلك. وبعد ذلك تقابل مع صاحب البيت حول رقعة الشطرنج. وهكذا بدأنا نتعرف على شخصه وأخلاقه الفاضلة ومعلوماته الغزيرة. وهكذا كنا نسهر معه الليالي في النكت والأدب الجم. ….

مضت أيام وهو ينتظر المطالبة بالحضور للمحكمة! وكان يقضي بعض الوقت بالرباط، يتقابل مع بعض الأصدقاء الذين يردون من الريف، وكانوا يهيؤون للثورة ضد هؤلاء المعتدين، ويخبرونه بالاستعدادات والتنظيمات، وكان في مكانة الصديقين لا يبوح لنا بهذه الأسرار، ولا يتحدث إلينا في أمر الثورة! وكأن شيئا لم يكن.

وفي أحد الأيام، جاءني لمدرسة الأميرة للاعائشة وأنا مديرها وقال لي:” يا أخي العزيز، جئتك في شيء عظيم”. فتساءلت:” وما هو؟”، فقال: “أرجوك أن تذهب إلى قاضي البحث السيد عبد السلام الدبي وتطلب منه إما أن يقدمني للمحاكمة في أقرب حتى أعيش حرا طليقا مع أولادي وبين عشيرتي، وإما أن يرجعني إلى السجن بالرباط حتى تتم المحاكمة، لأنني أصبحت لا أفرق بين سجن لعلو وبين السجن بسلا والرباط. فحاولت إقناعه بالصبر والانتظار حتى تكون الظروف مناسبة للمحاكمة، وقدمت له الكثير من الحجج لإقناعه على تأخير هذا الطلب إلى وقت آخر. لكنه شكرني كثيرا على نصائحي الأخوية له وعلى كل ما قدمته ‘ليه وأصر على طلبه! فلم أجد بدا من زيارة القاضي وأبلغته هذا الطلب! فأخرج ورقة الضمانة التي كنت أتحمل مسؤولية السراح المؤقت لهذا الأخ ومزقها وأرسل في طلب السيد محمد الحاج سلام أمزيان ومكنه من الرخصة للذهاب إلى الحسيمة في انتظار المحاكمة.

وبعد يومين أو ثلاثة كلمني السيد الذبي بالهاتف قائلا:” أيها الأخ، أنبئك بخبر يزعجك، أنت وأنا في السجن! إن صاحبك الذ سبق أن تضمنت به والذي مكنته أخيرا من حرية الرجوع إلى مسقط رأسه يترأس الثورة بالريف! بهذا طلعت صحف اليوم، فاستعد وكن على بال………”

*ملاحظة: المعلومات الواردة في الشهادة عن وفاة أختنا ليست دقيقة تماما، كما رواها المرحوم الحاج أحمد معنينو، وهو أحد مؤسسي حزب الشورى والاستقلال.

Comments

comments