ميمون أزيزا*: قرن من الهجرة في الريف

  • 0

مقدمة .. تهدف هذه المقالة إلى إبرازأهمية الهجرة في تاريخ الريف المعاصر. فقد شكلت هذه الظاهرة عنصرا أساسيا أثر بشكل بارز في علاقة الإنسان الريفي بمجاله، كما ساهمت في التخفيف من عبئ الضغط السكاني و توفير الموارد الغذائية الكافية في منطقة جبلية عرفت بشح مواردها. فبفضل موارد الهجرة تمكنت ساكنة الريف من مواجهة المجاعات التي كانت تجتاح المنطقة بشكل دوري، فتأتي على الأخضر واليابس. كما تمكنت كذلك  من الاحتكاك بالعالم الخارجي وبالاقتصاد الأوربي.

فمسلسل الهجرة إلى أوربا، الذي انطلق في بداية الستينات، لم يكن وليد الصدفة وإنما كان امتدادا لتيارات هجروية سابقة إلى مناطق مغربية أخرى أكثر خصوبة، من أجل الاشتغال في القطاع الفلاحي. فعلى سبيل المثال في القرن الثامن عشر هاجر الريفيون  إلى طنجة والعرائش، تحت قيادة  القائد أحمد الريفي،  للمشاركة إلى جانب السلطان مولاي إسماعيل في محاولة تحرير السواحل المغربية. كما استوطنت مجموعات أخرى منطقة مولاي إدريس زرهون، وفاس.

وابتداء من منتصف القرن التاسع عشر انطلقت الهجرة الموسمية إلى الجارة الجزائر للاشتغال عند المعمرين الفرنسيين. وقد وصل عدد المهاجرين في أواخر القرن التاسع عشر ما يزيد عن 20.000 عامل. وسيرتفع هذا العدد تدريجيا، ليصل إلى حوالي 80.000 خلال سنوات الجفاف والمجاعات التي اجتاحت الريف في الأربعينات من القرن الماضي. هذا إضافة إلى مشاركة أزيد من 70.000 من الجنود الريفيين في الحرب الأهلية الإسبانية بجانب الجنرال فرانكو فيما ببن 1936 و1939.

إلى جانب البحث في جذور ظاهرة الهجرة في الريف واستعراض أهم مراحلها خلال القرنين الماضيين، سنحاول إبراز المساهمة البارزة لهذه الظاهرة في مسلسل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي كان الريف مسرحا لها خلال الفترة المذكورة.

 -الهجرة إلى الجزائر وأهميتها

 1-مصادر متنوعة 

تعد الهجرة إلى الجزائر أهم حركة هجروية شهدتها منطقة الريف ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر كما تبين ذلك مقالة للرحالة الفرنسي هنري دوفيريي[1]Henri Duveyrier ، وهي أول وأقدم وثيقة تتحدث عن هذه الظاهرة انطلاقا من ميناء مليلية حيث يقول فيها :

« في 18 نوفمبر من سنة 1852، استولى الإسبان على مركب للسلع في ملكية القلعيين، كان متوجها إلى وهران، حيث يذهب عمال هذه القبيلة لكراء سواعدهم لدى المعمرين خلال فترات الحصاد ».

كما أن مولييراس قد اهتم بدوره بإقامة الريفيين بوهران في نهاية القرن التاسع عشر، حيث استقى منهم معلومات مهمة ضمنها كتابه “المغرب المجهول”. فيقول علي سبيل المثال: «يمكن أن نراهم (ويقصد سكان الريف) كل سنة بعمالتنا خلال موسم الحصاد أو جني الكروم… وكانت وهران تستقبل أكثر من 20.000 مهاجر قادمين للبحث عن العمل لدى المعمرين »[2].

ونظرا لأهمية هذه الهجرة فقد أولتها الكتابات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، عناية خاصة[3]. وتعتبر جريدة “تلغراف الريف” ،الصادرة بمدينة مليلية ، انطلاقا من بداية القرن العشرين، أفضل مصدر يسمح لنا بتتبع هذه الظاهرة. وتعكس هذه مقالات هذه الجريدة الأهمية التي كانت توليها السلطات الاستعمارية الاسبانية  لهذه التحركات السكانية نحو البلد المجاور. وهكذا فقد نشرت تلغراف الريف في ملحقها باللغة العربية  ليوم الأحد  9 ماي 1909 مقالا تحت عنوان: الأرياف إلى وهران[4]:

“يوم الخميس الجاري تواردت علينا حمول من أهل الريف فامتلأت المساحات الفسيحة وتراكمت الزقاق ووقع الإزدحام على الركوب في الباخرة التي تنقلهم لوهران، حيث ينتشرون على الأصقاع الجزائرية ويتفرقون على الأماكن ليستأجروا على الحصاد ولا يولون راجعين إلا بعد أن يستحصل كل واحد منهم على خمسة عشر دورو فرنسية فأقل يدخل بها على أهله يشتكي وهن عظامه وما لقيه من التعب والمشقة ومنهم من يرجع عليه العدة المذكورة دينها استسلفها أيام سفره بين كرا المراكب وماكوله ومشروبه وهو ولم يجد من يستأجره على تلك الخدمة بعد أن جال في الأقطار وطاف أطراف البلاد وقطع الفيافي والقفار.

هذا غاية أعمالهم التي ترشدهم إليها عقولهم المتلاشية ولو قاموا مباشرة استغلال بقاعهم والاشتغال باستثمار الكنوز الموجودة في هذه الأرض لتكفهم عن هذه الأسفار الشاقة وتورهم ثروة عظيمة لأجابوا بكلمة واحدة ولسان واحد لا لا لا حتى يظن الظان أن لهم دينا أو شرعا ينهاهم عن ذلك فتبا لها من عقول ونوايا فاسدة أحصي عدد من ركب أمس أمسه فوجد ألفان بعد أن رجع من المركب عدد لم يحملهم لضيقه.”

ونقرأ في  عدد يوم الخميس 13 ماي 1909 مقالا آخر بعنوان : المروك يقطع الشعوب الهايلة إلى وهران.

 «كان فيما نعلمه أن أهل الريف الذين تذهب منهم كل عام ألوف لأجل الخدمة في وهران، لا يتجسرون أن يسافروا برا بل يقصدون أولا مليلية ومنها يركبون، وأما الآن فيذهبون أفواجا أفواجا يقطعون مجاوز كبدانة وبني يزناسن القبيلتين اللتين كانت فيما مضى لا يكاد أن يفوت في جوهما الطير. وذلك بفضل عساكر إسبانيا الموجودة في رأس الما إلى ملوية ثم عساكر فرنسا»[5].

ولاستكمال نظرتنا عن هذه المادة المصدرية لابد من الإشارة إلى أهمية بعض الإحصائيات الاسبانية التي تخص فترة الأربعينات والخمسينات، وهي مرحلة حاسمة من تاريخ هذه الهجرة [6].

كما تشكل الأشعار (إزران) مصدرا أخر لا يقل أهمية عن المصادر السالفة الذكر. وقد قام الباحثان الفرنسيان لويس جوستنار و بيارني  بجمع وترجمة بعضها[7].

 2-أسباب الهجرة:

تظافرت عوامل عديد أدت بجزء كبير من ساكنة الريف إلى  الهجرة  خارج المنطقة بحثا عن العمل وعن موارد جديدة للعيش، ويمكن أن نجمل هذه الأسباب فيما يلي:

- الظروف الطبيعية القاسية  واختلال التوازن بين الموارد الطبيعية والنمو الديمغرافي.

-سنوات الجفاف والمجاعات والأوبئة : خلال هذه الفترات الصعبة تزداد الحاجة إلى الهجرة والبحث عن مصادر أخرى للعيش، ولدينا أمثلة كثيرة على هذه المجاعات في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ، دفعت بعدد كبير من شباب تلك المرحلة إلى الانخراط في الجيش الاسباني وإلى المشاركة في الحرب الأهلية الاسبانية . وأكبر هذه المجاعات كانت في سنوات الأربعينات، المعروفة محليا بسنوات الجوع، حيث هاجر السكان بشكل مكثف إلى الجزائر وإلى مناطق أخرى من المغرب: طنجة، تطوان، فاس، مكناس. وهذا ما يصفه بشكل دقيق الأديب محمد شكري في روايته “الخبر الحافي”.

-ضعف الاستعمار الاسباني من الناحية الاقتصادية، بحيث لم يحقق أي تنمية اقتصادية من شأنها توفير الشغل محليا، باستثناء مناجم الريف التي امتصت نسبة مهمة من اليد العاملة المحلية ، فإن الاستعمار الاسباني لم يؤثر بشكل كبير على البنيات الاقتصادية التي ظلت تقليدية.

-دور ميناء مليلية: سكان القبائل المجاورة كانت تهاجر عبر الباخرة التي كانت تربط مباشرة ميناء مليلية بوهران وذلك ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

- ارتفاع الأجور في الجزائر بالمقارنة مع ما كانت عليه الأجور في الريف، إضافة إلى توفر فرص العمل في مجموعة من القطاعات الاقتصادية وخاصة في الفلاحة.

- الاستعمار: ساهم الاستعمار في خلق دينامية اقتصادية جديدة أدت إلى تحرك  السكان وانطلاق عمليات الهجرة، وذلك عبر تأثيره على البنيات الاقتصادية والاجتماعية، ومن خلال خلقه لظروف جديدة تساعد على السفر والمتمثلة أساسا في تطوير وسائل النقل، و فتح طرق جديدة تربط بين المغرب والجزائر. وعملية التنقل كانت غالبا ما تتم بشكل جماعي تبعا لمسالك معروفة لدى المهاجرين تؤدي بهم مباشرة إلى الجزائر بعد عبور واد ملوية والمرور بمدينة وجدة.

 3-حجم الهجرة وانعكاساتها  

وفيما يتعلق بالأهمية العددية للمهاجرين، فإنه يصعب التأكد من صحة الأرقام التي تقدمها بعض المصادر و خاصة في المرحلة الأولى من تاريخ هذه الهجرة، حيث أن أغلب المصادر التي سبق ذكرها، تقدم أرقاما تقديرية. فمثلا مولييراس تحدث عن 20.000 مهاجر سنويا في نهاية القرن التاسع عشر في منطقة وهران وحدها، في حين أن  الجمعية الجغرافية لمدريد قدرت عددهم ب50.000 عام 1904. وفي الثلاثينات من القرن العشرين يقدم “لويس ميليو”[8] أرقاما قريبة من الحقيقة بالنسبة للعابرين إلى الجزائر عبر نقط الحدود البرية، ويقدرهم بنحو 36.000.  لكن هذه الإحصائيات لا تشمل المهاجرين عن طريق البحر انطلاقا من ميناء مليلية،  ولا عدد العمال الذين  يسافرون مشيا على الأقدام ويدخلون إلى الجزائر عبر مسالك معروفة وغير مراقبة من طرف السلطات الفرنسية. وحسب إحصائيات السلطات الفرنسية بالجزائر لعام 1911 فقد بلغ عدد المغاربة بولاية وهران 19.442، ويتمركزون بالخصوص في المناطق التالية: دائرة وهران: 8.114 ؛ مدينة وهران: 3227 ؛ معسكر: 1581؛ دائرة مستغانم :  828 ؛ مدينة مستغانم: 56 ؛ دائرة سدي بلعباس: 2392 ؛ مدينة سدي بلعباس: 639 ؛ دائرة تلمسان: 4455[9].

عرفت هذه الهجرة، التي دامت أكثر من قرن من الزمن، تحولات مهمة على المستوى العددي حيث ارتفع عدد المهاجرين، بشكل ملموس، انطلاقا من سنوات الأربعينات من القرن العشرين. وأصبح المهاجرون يستقرون بشكل دائم في الجزائر. وبشكل تدريجي شملت الهجرة جميع القبائل, مع وجود اختلافات فيما بينها. بحيث أن بعض القبائل كانت  ترسل حوالي ربع سكانها، مثل قبيلة بني بويفرور التي هاجر منها ما يناهز  % 19 من سكانها في عام 1932 ، وبلغت النسبة  %16  بكل من تمسمان وبني وليشك و كبدانة[10]. و الملاحظ أن الهجرة كانت قوية بين سكان قبائل المناطق الشمالية التي تتميز بكثافة التعمير والتي ترتبط بقدم الاستقرار، والنظام الاقتصادي القائم على الزراعة. لذلك فإن أي نقص في التساقطات كان يحدث خللا بين المؤهلات الطبيعية وبين الفائض البشري الذي كان يشكل فعلا حملا ثقيلا على الموارد المحلية المتواضعة. وينطبق هذا على أغلب قبائل الريف مثل بني ورياغل، كزناية، تمسمان، بني توزين، بني سعيد، وقلعية. وبالنسبة لهذه الأخيرة، فإن قربها من ميناء مليلية لعب دورا أساسيا في ارتفاع نسبة الهجرة بها. أما سكان الأجزاء الجنوبية السهبية، فعلى الرغم من فقرهم، فإنهم لم يشاركوا في البداية إلا بشكل ضعيف في هذه الهجرة، وذلك لتعاطيهم لتربية الماشية. لكن هذه الوضعية ستتغير ابتداء من الثلاثينات حيث  بدأت  قبائل مطالسة، بني بويحيي وأولاد ستوت تنخرط بدورها في مسلسل هذه الهجرة. ففي عام 1932 غادرها 2820 مهاجرا أي ما يمثل 11,33% من مجموع المهاجرين الذين دخلوا إلى الجزائر عبر الحافلة[11].

ولإبراز أهمية هذه الهجرة يجب التذكير كذلك بأنه إبان استقلال الجزائر عام 1962 كان عدد المغاربة المقيمين بها يفوق 300.000 شخص. لكن مع استقلال هذا البلد واندلاع حرب الرمال في أكتوبر 1963 ، بدأ المغاربة يغادرون الجزائر تدريجيا، سواء من أجل العودة إلى موطنهم الأصلي أو الهجرة إلى أوربا. وتجدر الإشارة في الأخير إلى أنه في 1975 قامت السلطات الجزائرية بطرد -وبشكل تعسفي- ما يزيد عن 45.000 ألف عائلة مغربية، كانت تقيم بشكل قانوني في الجزائر.

ساهمت هذه الحركة الهجروية في احتكاك سكان منطقة الريف بالمجتمع الجزائري من جهة   و بالمعمرين الفرنسيين من جهة أخرى. وأتاحت لهم فرصة تعلم تقنيات جديدة في ميادين عديدة، وخاصة فيما يتعلق بتقنيات العمل الزراعي. وعبر الحركة الهجروية وصلتنا تأثيرات عديدة من ذلك البلد، تخص الموسيقى والغناء والرقص واللباس والمطبخ واللغة. و قد اكتسب هؤلاء العمال تجربة كبيرة في الهجرة والبحث عن العمل، مما ساعدهم على تغيير الوجهة مباشرة بعد استنفاذ مسلسل الهجرة إلى الجزائر. توقفت هذه الهجرة بشكل نهائي مع استقلال الجزائر، وفي نفس الوقت بدأ البحث عن آفاق جديدة للهجرة.  ففي دارسة ميدانية قام بها الباحث الفرنسي “ريمون بوسار” في نهاية السبعينات، توصل من خلالها إلى نتيجة مفادها أن القبائل التي كانت معروفة بالهجرة إلى الجزائر هي نفسها التي قدمت نسبة كبيرة من المهاجرين إلى أوربا[12].

الهجرة  إلى أوربا

1- من وهران إلى بروكسيل

مجرد ما توقفت الهجرة إلى البلد المجاور، انطلقت حركة هجروية جديدة اتجاه أوربا،  مستفيدة من مجموعة من الاتفاقيات التي وقعها المغرب مع بعض دول أوربا الغربية، من أجل استقبال العمال المغاربة[13]. فبعد استقلال الجزائر هاجرت نسبة كبيرة من الريفيين المقيمين في هذا البلد، إلى أوربا وخاصة إلى جنوب  فرنسا و إلى بلجيكا. وتمركز عدد كبير منهم في مدينة بروكسيل، وما زالوا يعرفون إلى يومنا هذا باسم ” مغاربة وهران”.

وفي ظرف وجيز، برز الريف كقطب رئيسي للهجرة المغربية نحو أوربا، و أصبحت الهجرة منذ ذلك الوقت تشكل معطى بنيويا في المجتمع الريفي. هذا مع العلم أن الريف لم ينخرط في مسلسل الهجرة إلى أوربا إلا في الستينات، في حين أن مناطق أخرى من المغرب مثل سوس مثلا، بدأت فيها الهجرة إلى أوربا خلال الفترة الاستعمارية.  وعلى عكس باقي مناطق المغرب التي هاجر أبناؤها إلى فرنسا ، توجه الريفيون إلى ألمانيا وبلجيكا وهولندا. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا ما زالت هذه الدول تمارس جاذبية خاصة على الريفيين.

وفي السبعينات عرفت الهجرة الريفية تحولات عميقة تمثلت في انتقالها من هجرة ذكورية ومؤقتة إلى هجرة عائلية ودائمة. لكن هذه التحولات لم تؤثر كثيرا في العلاقات المتينة التي تربط المهاجرون بمواطنهم الأصلية. والدليل على ذلك ترددهم المستمر على مناطقهم الأصلية، وتحويلهم لمدخراتهم نحو المغرب.

 – 2 التطور العددي للمهاجرين

عرفت مساهمة الريف في الهجرة المغربية إلى أوربا، تطورا ملحوظا منذ انطلاق هذا المسلسل في بداية الستينات . ففي عام 1966 بلغ عدد المغاربة بأوربا 85.000، وأكثر من 29.000 منهم ينتمون إلى إقليمي الناظور والحيسمة، وهو ما يمثل %35 في المائة من العدد الإجمالي للمهاجرين. وفي عام 1971 قدرت السلطات المحلية عدد المهاجرين من إقليم الناظور بحوالي 32.000 مهاجرا، ثم ارتفع عددهم ليصل 40.000 عام 1974 ، و158.800 سنة 1992، مقابل 63.712 بالحسيمة. وهو ما يمثل 20% و 14% على التوالي من مجموع سكان الإقليمين.[14]

في خضم هذه الظروف عرف الريف أكبر عملية لتحويل الفائض الديموغرافي خارج الحدود الوطنية في تاريخ القرن الماضي، علما بأن مساهمة الوحدات الترابية الريفية في تغذية التيارات الهجروية تبقى جد متباينة. لكن اللافت للانتباه هو أنه إذا كان حجم الجالية المغربية بأوروبا سجل تزايدا مهما في أغلب دول الاتحاد الأوروبي، بدرجات متفاوتة طبعا، فإن أكبر نسبة للتزايد تلاحظ في اسبانيا. فقد صار هذا البلد الذي كان إلى عهد قريب مصدرا للمهاجرين ، القبلة الرئيسية لغالبية مهاجري أقاليم الشمال عموما، وللريفيين على وجه الخصوص، انطلاقا من أواسط الثمانينيات. فعلى سبيل المثال أصبحت إسبانيا تستقطب أكثر من 30% من مهاجري إقليم الحسيمة، محتلة بذلك المرتبة الثانية بعد هولندا (36.9%)، بعدما كانت فرنسا إلى غاية أواخر الثمانينيات هي التي تحتضن اكبر عدد من مهاجري الحسيمة[15].

انعكاسات الهجرة على الريف

من الطبيعي أن يكون للحضور الوازن للريفيين في المهجر تأثير على مناطقهم الأصلية نتيجة للعلاقات الوطيدة التي تظل تربطهم بها، على اعتبار أن الهجرة لا تحدث قطيعة معها.

وتتجسد هذه العلاقة في الزيارة المتكررة لوطنهم والتحويلات المالية المهمة  التي يقومون بها. وفيما يلي باختصار بعض الانعكاسات الايجابية للهجرة في إقليمي الناظور والحسيمة.

-أهمية عائدات الهجرة : تشكل عائدات الهجرة أهم مصدر من مصادر العيش، إذ أن مداخيلها تفوق ما توفره الفلاحة مثلا. يأتي إقليم الناظور على رأس الأقاليم المغربية من حيث ودائع المهاجرين. هذه الودائع تشكل دعما حقيقيا للاقتصاد المحلي، بحيث تساهم في الرفع من مداخيل الأسر، وفي تحسين الحركة التجارية والخدماتية. وبفضل هذه العائدات يعد إقليم الناظور المركز المالي الثالث على المستوى الوطني. وهذه المكانة ناتجة عن التحويلات المالية للمهاجرين الذين ينتمون لهذه المنطقة. لكن، مع الأسف، هذه الأموال لا يتم إعادة توزيعها على شكل قروض في عين المكان، بل تحول إلى مناطق أخرى من المغرب. فحسب معطيات بنك المغرب لسنة 2000-2001 يأتي إقليم الناظور على رأس الأقاليم المغربية على الصعيد الوطني من حيث ودائع المهاجرين، اذ بلغت 4365039 مليون درهم (19%)، مقابل 749641 مليون درهم بالنسبة لإقليم الحسيمة، ممثلة بذلك 65% من مجموع الودائع البنكية، و78% من مجموع ودائع البنك الشعبي محليا. وتشكل هذه الموارد دعما حقيقيا للاقتصاد المحلي، إنها الركيزة الأساسية التي تحافظ على التوازنات السوسيو – اقتصادية، والعامل المحوري في التحولات الاجتماعية والمجالية التي يشهدها الريف. فقد كان لموارد الهجرة بالغ الأثر على المجال والمجتمع. إذ كانت وراء إحداث تغييرات هيكلية على مستواها المعيشي، وتحسين وتغيير نمط استهلاكها كميا ونوعيا[16]. وقد ترتب عن الميل القوي لاستثمارات المهاجرين في السكن إحداث تغييرات مهمة في وجه البوادي الريفية والرفع من وثيرة تمدينها. وقد صوحب هذا النمو بتوسع مفاجئ للعديد من المراكز الحضرية، التي كانت مصنفة إلى عهد قريب ضمن المجالات القروية، كإمزورن وبني بوعياش بإقليم الحسيمة.  و أزغنغان وبني أنصار و الدريوش  وميضار،  وبن طيب ، وزايو  بإقليم الناظور.

2 تطور الوضع الاعتباري للمهاجر

عند بداية مسلسل الهجرة إلى أوربا كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الريف مترديا للغاية. ويرجع ذلك لأسباب عديدة، نذكر منها:

- توقف حركة الهجرة إلى الجزائر، التي كانت تعتبر  بمثابة مورد اقتصادي مهم.

-الإرث الاستعماري : إذ أن الاستعمار الاسباني لم يخلف بنيات تحتية مهمة يمكن اعتمادها للنهوض الاقتصادي.

- سياسة التهميش التي عانت منها المنطقة بعد الاستقلال، بحيث أن الدولة المغربية لم تقم بأي استثمار مهم من أجل النهوض الاقتصادي بالمنطقة.

وإزاء هذا الوضع، لم يكن أمام أبناء المنطقة من خيار إلا الهجرة. واتضح، منذ البداية، أن الهجرة إلى أوربا بإمكانها أن تساهم في تحسين الوضع المادي للعائلات الفقيرة. وتدريجيا أصبحت للمهاجر وضعية اجتماعية متميزة داخل قبيلته، بفضل التحويلات المالية المهمة التي يقوم بها، و الهدايا التي يستقدمها معه أثناء عودته إلى البلاد. وهذا ما تعكسه مجموعة من الأغاني والأشعار التي تتحدث عن المهاجر “ألِمانْ” وهو عائد إلى قريته يحمل حقائب مليئة بالهدايا[17].

واستحضر هنا ،على سبيل المثال، المقولة الشعبية التالية : “ورغريغ وروحغ ألمان”  ومعناها « لم أواصل دراستي ولا تمكنت من الهجرة إلى ألمانيا». فهذه العبارة كانت شائعة في الستينات،  يعبر من خلالها الإنسان البسيط الذي لم يسعفه الحظ في متابعة الدراسة، والالتحاق بالوظيفة العمومية. ولم يتمكن كذلك من الهجرة إلى أوربا حتى يصبح “غنيا”[18]. ولعل هذا مثال واضح على أهمية الهجرة والمكانة الاعتبارية المحترمة للمهاجر ولعائلته، وبالتالي فالهجرة وسيلة للخروج من دائرة الفقر، مثلها في ذلك مثل الدراسة وربما أفضل منها. و كان المهاجر يعتبر من الفئات الاجتماعية الميسورة أو المتوسطة، والدليل على ذلك أن التلاميذ -أبناء المهاجرين- لم يكن لهم الحق في الاستفادة من وجبات المطعم المدرسي. كانت هذه الوجبات تقدم مجانا لأبناء الفئات المعوزة، في حين يتم إقصاء أبناء المهاجرين على اعتبار أنهم  يتوفرون على دخل قار. و “لم تسمح الهجرة إلى الخارج بتحسين مدا خيل الأسر فقط وإنما أيضا في تغيير “الحدود” الاجتماعية التي كانت تفصل بين فئات المجتمع، بعبارة أخرى أحدثت الهجرة انقلابا حقيقيا في التراتبية الاجتماعية في الريف، إذ أصبحت عائلات المهاجرين تحتل المراتب الأولى في ترتيب الهرم الاجتماعي على المستوى المحلي، بينما تحتل أسر غير المهاجرين المراتب الدنيا”[19].

*كلية الآداب والعلوم الإنسانية- مكناس

[1]  Henri Duveyrier (1887), « La dernière inconnue du littoral de la Méditerranée : le Rif », Bulletin de la Géographie Historique et Descriptive, Paris, pp. 127-150.

[2] A. Moulièras  (1895), Le Maroc inconnu : exploration du Rif, Imprimerie Fouque. Oran, p. 36.

[3]  ونذكر على سبيل المثال المصادر التالية :

Marquis de  Segonzac,  (1911), Voyages au Maroc (1899-1901), Paris.    -

- Fernando Pérez, Tabajadores rifeños en Argelia,  Conferencia dada  en la Academia de Interventores en Tetuán en el curso de 1948-1948.

- Commandant Reynaud, « une famille, un village, un marché dans le Rif. » in Le Musée Social n° 10 octobre 1910, Arthur Rousseau Editeur, Paris. pp  317-348.

- Jean du Taillis (1923), Le nouveau Maroc, suivi d’un voyage au Rif. Paris.

[4]  والمقصود هو هجرة الريفيين إلى وهران. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أننا أوردنا هذه النصوص في نسختها الأصلية رغم احتوائها على مجموعة من الأخطاء اللغوية.

[5] Telegrama del Rif, Jueves 13 de Mayo de 1909, Sección árabe.

[6]  يتعلق الأمر بالحوليات الإحصائية لمنطقة الحماية الإسبانية    Anuarios Estadísticos de la Zona del Protectorado español (1942-1955)

[7] Louis Justinard , “Notes sur la littérature et la poésie chez les Rifains” Bulletin de l’Enseignement Public au Maroc, n° spécial, janvier 1926.

- M. Biarnay, « Notes sur les chants populaires rifains » in les Archives Berbères, publication du Comité d’Etudes Berbères de Rabat (1915-1916), pp.26-43, cite le cas d’une femme abandonnée sans ressources par son mari qui est parti pour l’Algérie se voit, au retour de celui-ci, séquestrée, maltraitée, accusée d’infidélité ; elle crie son indignation :

Lorsqu’il partit pour la perverse Algérie, à qui me confia-t-il ?

Il me mit une faucille dans la main et me dit : Moissonne le blé !

Lorsqu’il revint, me rapportant seulement un vêtement grossier,

Il me dit : Maintenant voile-toi !

[8] L. Milliot., ” L’exode saisonnier des Rifains vers l’Algérie”, in Bulletin Économique du Maroc 1933-1934

[9] Société de Géographie et d’Archéologie de la Province d’Oran, 1913, pp. 349-365.

[10]  حسب الأرقام التي وردت في مقالة لويس ميليو، م. س.

[11]  علال الزروالي،” الهجرة من الريف الشرقي نحو الجزائر”، حوليات الريف، العدد الثاني، 1999، الحسيمة، ص 130.

[12] R. Bossard, (1978), Un espace de migration. Les travailleurs du Rif oriental (Province de Nador) et l’Europe, Thèse de 3 ème cycle, Université de Montpellier.

[13]  فقامت دول أوربا الغربية بتوقيع اتفاقيات اليد العاملة مع المغرب لضمان استقبالها لليد العاملة الرخيصة:  فرنسا (1963)، ألمانيا (1963)، بلجيكا (1964)، هولندا (1969).

 [14]  لزعر امحمد، هجرة الريفيين الحديثة الى اسبانيا و انعكاساتها الاقتصادية و الاجتماعية و المجالية:حالة اقليم الحسيمة، دكتوراه الدولة في الجغرافيا-كلية الآداب و العلوم الإنسانية، 2004 – فاس

[15]  م.ن

[16]  م.ن

[17] في نظرنا هذا التراث الشعبي الزاخر يحتاج إلى عناية خاصة، ونتمنى أن يبادر الباحثون المتخصصون في هذا الميدان إلى جمع ودراسة هذا التراث الشعري الذي يشكل جزءا من ذاكرة الريف.

[18]  كان المهاجر يصنف ضمن الأغنياء في قبيلته ، ويترتب عن هذه المكانة الاجتماعية مجموعة من الواجبات تجاه أفراد العائلة والقبيلة.

[19]  بوظيلب الحسين، “الهجرة الدولية في الريف الشرقي وانعكاساتها”، مجلة أسيناگ، عدد مزدوج 4-5، 2010، ص 69.

Comments

comments