علي الإدريسي حول استخدام الغازات السامة ضد الريفيين: الدولة تخلت عن حماية شعبها

  • 4

أنوال.نت- يظل ملف الغازات السامة في الريف من الملفات المستعصية على التناول الموضوعي بهدف التوصل إلى معرفة “حقيقة” ما جرى خلال حرب الريف التحريرية ما بين سنوات 1921 و 1926. في هذا الحوار الذي أجراه موقع أنوال.نت مع الدكتور علي الإدريسي صاحب كتاب “التاريخ المحاصر”، محاولة لتسليط بعض الضوء على ملف الغازات السامة التي استخدمها الإسبان ضد الريفيين، وقضايا أخرى تهم تاريخ المقاومة في الريف.

عاد ملف الغازات السامة إلى طاولة “النقاش”، كيف تنظر لهذا التوقيت، وهل تعتقد بوجود أشياء خفية من خلال إحياء النقاش حول هذا الملف؟

سؤل مركب، فبالنسبة لتحيين النقاش عن الغازات السامة، أعتقد بأنك توافقني الرأي في أن موضوعا من هذا النوع لا يطويه النسيان، كما يتمنى البعض، لأنه جريمة ضد الإنسانية؛ والجرائم ضد الإنسانية لا تختفي بتقادم الزمن. ومن هنا فتجديد النقاش يهدف، حسب نظري، إلى محاربة محاولات النسيان التي يقوم بها ورثة تلك الجرائم والمتواطؤون معهم. وربما سألتني عمن أقصد بالمتواطئين، فأقول لك إنهم كل من سكت ويسكت عن تلك الجريمة محاولا أن يجعل منها لا حدث، ومن ثمة طي الموضوع بصفة نهائية. إن الشيعة لا ينسون جريمة مقتل الحسين، والأرمن لا يزالون يطالبون اعتراف تركيا بجرائمها المرتكبة في حقهم. واستطاع اليهود ان يجعلوا من أفران الغاز الهيتليرية عقدة في الضمير الأوروبي والعالمي جعلتهم يجبرون ضررها بإقامة دولة تتمتع بكامل الحماية. وأرى أن من حق المغاربة، وسكان الريف بصفة خاصة، أن يعيدوا النقاش في الموضوع، وأن يقوموا بالبحث الجاد عن الوثائق التي تدين الفاعلين والمتواطئين المحليين والدوليين على حد سواء. أما الشق الثاني من سؤالك المتعلق بتوقيت طرح الموضوع للنقاش مجددا. قد يكون هنالك من يختار الوقت المناسب له لطرح قضية ما أو مشكلة ما. لكن يوجد أيضا من يستفيد من طرح الموضوع لخدمة الذاكرة وقضايا التاريخ. إضافة إلى أن “ما ضاع حق وراءه طالب”. ومن هنا، أرى أن المسألة لا تتوقف عند من اختار وقت طرح الموضوع فحسب، وإنما هل بإمكان أو مقدور المتضررين بتوظيفه توظيفا لصالح كشف الحقيقة، ودفع الفاعلين إلى الاعتراف بجرائمهم. إنها عملية ممكنة إذا تضافرت جهود الباحثين والمنضمات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني. نأتي الآن إلى الشق الثالث من السؤال الخاص باحتمال وجود أشياء خفية في هذا الطرح. في الواقع “ليس هناك فعل مجاني” كما يقول علم النفس. وأتمنى أن يكون من بين هذه الأشياء الخفية دفع الفاعلين والمتواطئين إلى نشر ما لديهم من معطيات ووثائق حول موضوع استعمال الغازات السامة أو أسلحة الدمار الشامل المحرمة قانونيا وأخلاقيا ضد حركة التحرير الريفية، وضد المدنيين وموارد حياتهم، مساهمة منهم لإظهار الحق والحقيقة.

هل ترى أن هذا الملف ينبغي أن يكون في يد منظمات المجتمع المدني أم في يد الدولة؟

ليس هناك تعارض بين منضمات المجتمع المدني والدولة، بل أن العلاقة بينهما علاقة تكاملية في المجتمعات الديمقراطية. حيث المجتمع المدني ينبه الدولة ويقدم لها المعطيات والوثائق المطلوبة ويحثها على اتخاذ اللازم، لكونها تملك الأدوات القانونية وآليات العمل الدبلوماسية التي توفر حرية العمل والحركة. غير أن ما يلاحظ عندنا في المغرب غياب الدولة والمجتمع المدني معا عن موضوع استعمال الغازات السامة في حرب التحرير الريفية. ولا يتحرك في هذا الاتجاه غير بعض الأفراد وبعض جمعيات المجتمع المدني في منطقة الريف. وحينما نطرح نحن المنتسبين إلى الريف هذا الموضوع يتهموننا بالنزعة الانفصالية، هل يوجد عبث أكثر من هذا؟!

هل في رأيك الدولة مقصرة في هذا الملف وفي ملف المقاومة الريفية عموما؟

نقول لشخص ما، أو لجهة ما، إنك قصرت في عملك إذا وقع البدء في ذلك العمل ولم يُنته منه في الوقت المحدد له، أو لم يُنجز على أحسن وجه. أما وأن الدولة المغربية لم تطرح الموضوع أصلا، حسب ما هو متداول في الشارع السياسي والشارع العام أيضا. وإذا كان الأمر كذلك فالدولة تكون قد تخلت عن إحدى وظائفها التي وجدت من أجلها، وهي حماية شعبها والدفاع عن حقوقه وحريته وكرامته. والسؤال الجوهري في الموضوع قبل سؤال الغازات السامة، هو: هل اعترفت الدولة المغربية رسميا جهارا نهارا بحرب التحرير الريفية ومثيلاتها بأنها حروب تحرير وطنية، أم أنها بقيت وفية لشعار فرنسا وليوطي بأنها لا تعدو أن تكون حروب تهدئة.

لنفترض أن إسبانيا اعترفت بخطئها، ما هي الخطوات القادمة في نظرك؟

هذا افتراض بعيد المنال؛ فالسياسة الإسبانية نحو المغرب لا تزال واقعة تحت مفعول وصايا إيزابيلا والبابا أليخاندرو، وهي لم تعترف إلى الآن بحقوق مواطنيها المسلمين الذين طردتهم من وطنهم، ولم تعتذر لضحايا محاكم التفتيش المقيتة دينيا وأخلاقيا وقيما إنسانية، وأحرى أن تعترف للمغاربة الريفيين بأنها استعملت الغازات السامة ضدهم وضد مواردهم المائية ومزروعاتهم ومواشيهم. خاصة أن الدولة المغربية لم تحرك ساكنا في الموضوع. هناك افتراض واحد لكي ترغم إسبانيا والمتواطؤون معها بالاعتراف بتلك الجريمة هو الحصول على الوثائق والأدلة التي تدينهم أمام الرأي العام، وأمام المنضمات الدولية، وأمام محكمة العدل الدولية. وبدون ذلك لا إسبانيا تعترف بجريمتها ولا الاحتجاجات الانفعالية تجني شيئا غير الصراخ المجاني والتنفيس عن العجز عن الوصول إلى أدلة الاتهام.

كيف يمكن للدولة أن تتعامل بفعالية أكثر مع هذا الملف، وهل تملك الرغبة أصلا، في إثارة هذا الموضوع مع جيرانها الإسبان؟

كل مسؤول ومواطن غيور على وطنه ومصالحه العليا، وعلى تاريخه وكرامة أبنائه يتمنى ويأمل أن تقوم الدولة وكل مؤسساتها بواجبها. لكن القيام بهذا الواجب يتطلب وجود دولة تمثل كل مكونات الأمة، بعيدا عن كل حسابات ظرفية ضيقة، وعلى وجود إرادة سياسية تتجاوز عقليات سادت في ما مضى من الزمن؛ فاليوم تقاعس كل دولة عن حماية حقوق مواطنيها وتخليد تضحياتهم من أجل تحرير وطنهم يُعد، وسيبقى يُعد، دليلا على نقصان وخلل خطيرين في قراراتها السيادية المستقلة عن التبعية لغيرها.

Comments

comments