الشاعر التونسي منصف الوهايبي: أخشى على الثورة من الانتكاسة

  • 0

(في أكتوبر 2011، بعد أقل من سنة على نجاح التونسيين في ثورتهم، قام الزميل محمد أمزيان بزيارة للعاصمة تونس وأجرى لقاءا مع الشاعر المعروف والسياسي الملتزم منصف الوهايبي حول مستقبل تونس. ويسر إدارة أنوال إعادة هذا الحوار لأمهيته وراهنيته).

حوار: محمد أمزيان* – عبر الشاعر التونسي المعروف منصف الوهايبي عن خشيته من “انتكاسة” الثورة التونسية التي يحاول الكثيرون الآن “شحنها” بالشعارات الإيديولوجية وكأن هؤلاء يريدون “سد ثغرة” فيها. وأضاف الوهايبي أن هناك مجموعة من المثقفين تحاول “تسلق” الثورة وتبحث لنفسها عن “عذرية”، وهي التي كانت قبل الثورة تزين للرئيس السابق أعماله وتمجدها. وكان على هذه المجموعة على الأقل أن تعتذر للتونسيين، ولكن يبدو أن ” ثقافتنا العربية – الإسلامية لا تتقبل فكرة أن يعترف المرء وأن يعتذر لأخطائه وهفواته”، يقول منصف الوهايبي في الحوار التالي مع إذاعة هولندا العالمية جرى في تونس العاصمة في غضون الأسبوع الماضي:

بعد التغيير الذي طرأ على المشهد السياسي، هل تغير المشهد الثقافي أيضا في تونس؟

 الحقيقة أنه لم يتغير كما كنا نتوقع وكما كنا نتمنى لأسباب كثيرة يصعب الخوض فيها في حصة مثل هذه، ولكن إجمالا هذا يعود إلى أن المشهد الثقافي في تونس قبل 14 جانفييه (يناير) كان مشهدا يعاني من كثير من الالتباس وكثير من الإرباك بحكم أنه ينتمي للمشهد السياسي الأعم، للمشهد الاجتماعي ولما كان مسلطا على التونسيين من رقابة وقمع، ومنع. ربما كان هناك هامش صغير عند بعض الأحزاب، ثلاثة تقريبا، وهي أحزاب لم تكن تتاح لها فرصة النشر كما هو متاح اليوم. وبالتالي يصعب أن يتغير المشهد الثقافي خلال هذه الأشهر القليلة. هناك طفرة من الجرائد وحتى على مستوى الإذاعات الخاصة التي مُنحت تراخيص منذ مدة، وكذا الإذاعات الجهوية والإذاعة الوطنية. صحيح بدأنا نسمع ونرى ونحس أن هناك أصواتا كانت مقموعة، وهناك أيضا أصوات لم تكن مقموعة ولكنها تحاول الآن أن تتسلق أو أنها، إذا أردتنا استخدام عبارة أخرى، تبحث عن عذرية من نوع آخر.

 ظاهرة التسلق موجودة في السياسة هل هي موجودة أيضا في الثقافة؟

 موجودة طبعا، وهي طبيعية تصاحب كل الثورات وموجودة في كل المجتمعات. كثير من المثقفين التونسيين تورطوا مع النظام السابق وزينوا لابن علي ما زينوا وأكثرهم، لا شك، فعل ذلك من موقع انتهازي. أنا لا أحب أن أزايد على الناس أو أن أتهمهم، ولكن ألاحظ كيف بدأ هؤلاء الأشخاص الآن ’يقلبون الفيستة‘ (تغيير الولاء) ويستخدمون نفس الكلام. كانوا يشتمون اليسار ونشطاء الحق العام في ظل بن علي، وهم الآن يشتمون بن علي وآل الطرابلسي، بمعنى يستخدمون نفس المعجم والقاموس، ولم يتغير شيء. هم يتوهمون أنهم بذلك تغيروا ولكن في الحقيقة لم يتغيروا. كنت أتمنى لو كانوا يمتلكون حدا أدنى من ثقافة الاعتذار والاعتراف، وسبق لي أن كتبت هذا. كتبت في الصحافة التونسية منذ مدة غير بعيدة وقلت: لماذا لا يعتذرون للتونسيين؟ يبدو أن ثقافتنا العربية – الإسلامية لا تتقبل فكرة أن يعترف المرء وأن يعتذر لأخطائه وهفواته. هناك هفوات طبيعية وكلنا يخطئ.

هل تعتقد أن هؤلاء يعتقدون أن الشعوب لها ذاكرة قصيرة وربما قد تنسى بسرعة؟

يبدو أن هذا ما يفكر فيه البعض، ولكن من حسن الحظ اليوم أن الإنترنت ووسائل الإعلام تحفظ كل هذا. هناك من كتب قبل يوم واحد من فرار بن علي يدافع عن النظام، وفجأة بدأ يكتب شيئا آخر.

ما يلفت النظر في الثورة التونسية هو أن الثورات عبر التاريخ اتخذت شعارات سياسية بهدف التغيير، بينما الثورة التونسية رفعت كشعار لها بيت شعر: إذا الشعب يوما أراد الحياة

 لا أدري في الحقيقة من رفع هذا الشعار أولا وهذا ما لفت الانتباه فعلا، وهو مستوحى من بيت للشاعر أبو القاسم الشابي. وكتبت في قصيدة عن ’أيقونة‘ محمد البوعزيزي ونظرت إلى هذا الشاب، الذي انتحر، في وضعه الخاص الدقيق. أمتلك معلومات عن حياته الخاصة، عن أسرته وما إلى ذلك. هو صورة أخرى من الشابي الذي توفي دون الخامسة والعشرين، وهذا الشاب الذي انتحر وهو في السادسة والعشرين أو دونها بقليل، وكلاهما تحول إلى أيقونة في تاريخ تونس. هناك نوع من العلاقة الغريبة والعجيبة بين الشابي الشاعر الذكي والمثقف، وبين هذا الشاب المسكين الذي كان يعاني من الأمية في نهاية الأمر، لأنه انقطع عن التعليم وهو في المرحلة الثانوية الأولى.

يعني أن الشابي عبر عن معاناتاه الحياتية في قصيدة بينما عبر البوعزيزي بجسده … التضحية نفسها في نهاية المطاف.

 هي تضحية جسدية، وهذا لا ينقص من قيمة هذا الشاب ومن رمزيته فهو اصبح رمزا الآن ولا شك في ذلك. ولكنه شاب لم يكن له أي وعي سياسي في الحقيقة. هو احتج على وضعه الخاص وليس على الوضع العام. وهذا ربما ناجم عن نوع من الاحتقان في المجتمع التونسي. أنا أدرس في الجامعة منذ سنوات طويلة، وأشفق على طلبتي وطالباتي عندما أراهم يحصلون على شهاداتهم العلمية، ولكن الكثير منهم يظل يعيش لسنوات تحت كفالة والديه. أنا شخصيا لدي ابن خريج (الجامعة) ولديه شهادة عليا وعمره 35 سنة وما يزال بلا عمل. هناك يعيشون تحت كفالة والديهم لسنوات طويلة، وهذا بلا شك يزعج الأب ولكن يزعج الشاب أكثر.

هل هذه التجارب الشخصية أو ما يمكن وصفه بشخصنة الحدث الكبير، هي التي – ربما – تؤدي بعفويتها وبساطتها إلى إحداث تغيير أكبر، عكس المفكر فيه والمخطط له كما تفعل الأحزاب السياسية ببرامجها الهادفة للتغيير؟ 

  فعلا عندما نعود إلى التاريخ سنجد أن الثورات حدثت تقريبا بهذه الطريقة، حتى الثورة الفرنسية انطلقت هكذا في بدايتها. هناك من شبه الثورة التونسية بالثورة الفرنسية ولكن في الحقيقة لا يوجد شبه بينهما. انطلاق الثورات يكون هكذا من حادثة فردية معزولة، ولكن في ما بعد يأتي المؤرخ ويأتي عالم الاجتماع وربما الأديب والمثقف ويحاول أن يبحث للظاهرة عن أسباب وعن جذور لها. وستجد أن لما حدث في تونس جذورا كثرة. ملاحظتك ذكية، لأن هذه الثورة كانت بدون شعارات إلا شعار الكرامة والحرية. والجميل فيها أنها لم تحمل شعارا دينيا ولا قوميا ولا شعار تحرير فلسطين ولا شعارا إسلاميا ولا شيوعيا، وهذه هي الحقيقة. الذي يحدث الآن مع الأسف هو أن البعض يحاول أن يشحن هذه الثورة وكأنه يسد ثغرة، وأقصد هنا بعض الأحزاب التي لم تشارك في الثورة كما ينبغي وتحاول الآن أن تتسلق الثورة وتصورها كأنها ثورة إيديولوجية أو إسلامية أو قومية، فيما هي في الحقيقة كانت تخلو من كل هذا. هي ثورة تونسية بكل معنى الكلمة.

فضلا عن كونك مثقفا وشاعرا وأستاذا جامعيا، أنت أيضا تنتمي لحزب سياسي عارض النظام السابق. هل تعتقد أن الخطوة الأولى لتغيير النظام قد تمت، بينما ينبغي أن تتلوها خطوات تغيير عقليات بعض الأحزاب السياسية لتواكب هذا الجديد في الشارع التونسي؟

 هذا سؤال في محله ودقيق جدا ورشيق جدا. ما حدث في تونس هو شيء عظيم ورائع، ولكن للأسف نحن نخشى دائما من الانتكاسة، أولا لأن التونسي لم يكن معتادا على حرية التعبير وعلى هذه الطفرة وعلى هذا الفيض من وسائل الإعلام، ثم هناك نقص آخر وهو أن كثيرا من الشباب الذين قاموا بالثورة، هذا الشباب المهمش – وأنا أقول هذا بصدق – لا يمتلكون ثقافة سياسية واعية، ولا يعرفون كيف يميزون بين حزب وآخر؛ بين حزب يحاول أن يرضي الأغلبية بنوع من الإيهام والوعد بجنة موهومة لا وجود لها، مثل وعود تشغيل كل التونسيين العاطلين عن العمل (أكثر من 700 ألف عاطل) ومنح تعويضات مادية لمن لا يجد عملا! وما إلى ذلك من وعود وإيهامات. أخشى أن لا يكون البعض على وعي من هذه الطروحات التي يمكن أن تسيء لهذه الديمقراطية وهي تخطو خطوتها الأولى.

للشعراء نظرة تنبئية، كيف ترى مستقبل تونس ليس فقط من الناحية الثقافية ولكن أيضا من الناحية السياسية التي تقوم عليها الدولة؟

 البعض يخشى من هيمنة الإسلاميين وأنا أقول: هم رقم صعب. في قيادتهم هناك من يمكن التحاور معه، لكن المشكلة تكمن أساسا في قاعدتهم. غير أن التونسي حذر ووسطي بطبيعته، والتونسي ليس حديا ولا عنيفا. التونسي لا يمكن أن يرهن مصيره باستبداد من نوع آخر. الشعب التونسي جرب الاستبداد بما فيه الكفاية؛ مع (الحبيب) بورقيبة ولو أن بورقيبة منح للتونسيين فرصة التعليم ونشر قيم أخرى غير التعليم، إلا أنه كان مستبدا سياسيا وطاغية. ثم بن علي هو نفسه نتاج بورقيبي في نهاية الأمر. بورقيبة هو من أعطانا بن علي ولم نأت به نحن. وبعد خمسين سنة من الاستبداد لا يمكن للشعب التونسي أن يرهن مصيره لأي حزب، لا شيوعي ولا إسلامي. أجد نفسي متفائلا ولكن بحذر.

المصدر: هنا أمستردام – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments