محمد أمزيان: “التحرش” بالجالية

  • 0

أسفرت عملية “مرحبا” لهذا العام عن ميلاد مصطلح جديد أطلق عليه: “التحرش بالجالية”. وقيل إن “متحرشين” عديمو الذوق يقبعون الآن في السجون انتظارا لمحاكماتهم، فيما أعفى مسؤولون كبار مسؤولين صغارا ضبطوا متلبسين وهم “يتحرشون” بلا خجل بالجالية العفيفة المتعففة!

انتشر “التحرش” بصفة خاصة في محيط بوابات المغرب التي تفتح مباشرة على أوربا مثل بوابة الناظور – بني انصار وبوابة تطوان – سبتة، وهذا بطبيعة الحال عمل يخدش صورة المغرب الذي يستعد منذ 10 سنوات لاستقبال 10 ملايين سائح، ويعلم الجميع أن الجالية الميمونة تأتي لبلدها سائحة ولذلك فملعونة تلك اليد الآثمة التي “تتحرش” بها.

لم “يتحرش” بي أحد (بعد) لأنني لم أزر المغرب خلال هذا الصيف، إلا أنني استمعت لروايات متضاربة من عائدين من المغرب يتحدث بعضهم بإعجاب واضح عما جرى، لا أقصد “التحرش” بطبيعة الحال وإنما الحملة العقابية التي طالت “المتحرشين”. وفي المقابل هناك من يطرح علامات استفهام عن مدى فعالية مثل هذه الحملات.

قبل سنتين من هذا التاريخ، أي في عام 2010، تعرضت الحسيمة لحملة ‘تطهيرية’ مشابهة انطلقت أيضا في الصيف أثناء عودة الآلاف من المهاجرين المغاربة المعرضين بسهولة “للتحرش” من قبل أجهزة  إدارية لا ضمير لها. وعندما توقفت بعض الشيء عند هاتين الحادثتين المنعزلتين في الزمن، اكتشفت متأخرا أن ‘الجالية’ فئة ضعيفة معرضة أكثر من غيرها “للتحرش” من قبل كائنات لا أحاسيس لها،  وبالتالي فهي في حاجة ماسة لسند (راجل) تستند عليه حماية لأماكنها الحساسة من عبث الأقدار!

كنت في الحسيمة خلال الحملة ‘التطهيرية’ قبل سنتين وأتيحت لي فرصة الحديث لأشخاص يعرفون أفرادا شملتهم الحملة، كما شاهدت أفرادا من أقارب وعائلات المغضوب عليهم ينظمون وقفات ويحملون لافتات في زوايا الشوارع التي (قد) يمر منها الملك وخاصة قبالة مقر إدارة الأمن الوطني. أربكتني آنذاك أحاسيس داخلية متناقضة. فمن جهة رحبت بدوري بمحاولات الضرب على أيدي ‘المرتشين’ بأيد أخرى من حديد، ولكنني في الوقت نفسه عارضت بشدة الطريقة التي عولجت بها المسألة. وما أزال أتذكر ملاحظة أحد أصدقائي في المدينة حينما قال لي بلا مبالاة: “كان على الحملة أن تنطلق من الرباط لو أريد حقا محاربة الفساد”.

اعتراضاتي آنذاك سجلتها في مقالة منشورة ركزت فيها بصفة خاصة على الاعتباطية وغياب المساطر القضائية وكذا انعدام المسؤولية السياسية لدى الوزير/ الوزراء الذين ظهر الفساد في دوائرهم. والآن تأتي حكاية “التحرش” بالجالية المسكينة، المهيضة الجناح!

بدءا أرى، كفرد من أفراد هذه الجالية، أن لا وجود أصلا لشيء اسمه “التحرش” بالجالية. هناك شيء واحد ينهش جسم كل المغاربة، في الداخل والخارج، يسمى الفساد الإداري. ومن مظاهر هذا الفساد الإداري: الرشوة كظاهرة سرطانية لن تعالجها جرعات الحملات التطهيرية حتى ولو تكررت كل فصول السنة وليس خلال فصول الصيف وحدها. القضاء على الفساد الإداري يحتاج إلى تصور واضح وإرادة سياسية شجاعة وإلى تحمل المسؤولية التاريخية والتضحية الشخصية والقدرة على المواجهة.

الفاسدون لا “يتحرشون” بالجالية فقط، إنهم يحتجزون الشعب المغربي كله رهينة لنزواتهم الشخصية وأمراضهم النفسية، والبخور وحدها قد تعمي بعض الوقت ولكنها لن تعالج الداء كل الوقت. لذلك أعارض سياسة ‘بوكفوف’ (ذر الرماد في العيون) بشدة وأدعو إلى التفكير بجد في وضع تصور بعيد المدى يكون فيه دور المؤسسات واضحا ويتحمل فيه المقصرون تبعات تقصيرهم وفق القانون والشفافية والنزاهة.

قد يقول قائل: وهل ننتظر قيام قضاء عادل ومستقل وظهور قضاة عادلين ومستقلين لنحارب الراشي والمرتشي و “المتحرش” بهما والدائر في فلكهما؟ سؤال وجيه ولا اعتراض عليه. ولكن مقابل هذا السؤال: هل ‘تطهرت’ الحسيمة فعلا بعد تلك الحملة المعلومة؟ وهل استؤصل “المتحرشون” من بوابات العبور إلى المغرب واستأمنت الجالية المسكينة على أماكنها الحساسة من عبث “المتحرشين” في الموسم القادم؟

انتظروا معي عملية ‘مرحبا2013’وسترون ابتداع تقنية جديدة في “التحرش”!!

Comments

comments