عبير صراص: لا تتكلموا المغربية

  • 0
صحفية فلسطينية

صحفية فلسطينية

أمضيت الأسبوع الماضي في مخيم المدرسة السنوي في هولندا، حيث يترك الأطفال مقاعد الدراسة ويستعيضونه برحلة إلى الغابة. يصحبهم معلم الفصل بمساعدة عدد من الأمهات والآباء الذين يتركون أيضا أشغالهم ليقضوا ثلاثة أيام وليالي هوجاء بصحبة 60 طالبا وطالبة على الأقل! وكلما كانوا أصغر سناً كانت المغامرة أكثر إثارة وإرهاقا للأهالي.

من حسن حظي هذا العام أن تم اقتراع اسمي فقط للشفت (المداومة) الليلي، بمعنى المبيت مع الأطفال فقط والانصراف لعملي في الصباح.

ما أن وصلت المخيم في الليلة الأولى حتى تفاجأت بقائمة طويلة من القوانين المعلقة على باب الغرفة، حيث نبيت أنا وخمسة من الطالبات، من بينهن ابنتي، وطالبتان من أصل مغربي، وطالبة من أصل تركي، وأخرى هولندية الأصل. استغربت بأني الأم الأجنبية الوحيدة في المخيم، ومعظم بناتي الموكلة بأمرهن من أصل أجنبي! تنفست الصعداء عندما علمت أن ذلك لم يكن مرتباً من قبل المعلمة! وأن البنات هن من اخترن الأم التي ستقضي الليلة معهن.

عودة إلى القائمة المعلقة والقوانين التي سنّتها البنات بأنفسهن، وكأنها وصايا موسى العشر الناهية … “لا تضحك بصوت عال، لا تدخل الغرفة دون أن تدق الباب…. لا تحرمّن أحداً من المشاركة في اللعب مع المجموعة …   لا تتكلم المغربية… توقفت هنا لأستفهم:

“شو يعني ممنوع نحكي مغربي؟” كانت الفتاة الهولندية جاهزة بالإجابة: “ربما لأنهن يشتمننا بالمغربية، ولا نعرف عما تتحدثان، لهذا فإن المغربية ممنوعة”.

أزعجني الرد قليلاً وقررت ألا أخوض في النقاش.  اكتفيت بالقول إننا بالطبع هنا في هولندا وعلينا تحدث لغة البلد، لكن بعضاَ منّا قد يشعر براحة أكثر إذا ما تحدث بلغته الأم.

بادرت مدير المدرسة في اليوم التالي لأستفهم منها عن هذا القانون المتعارف عليه بين الأطفال والمسكوت عنه في الوقت نفسه. ابتسم المدير وقال إنه فخور بالبنات! “نعم، الحديث بالمغربية أو التركية ممنوع داخل المدرسة، هنا نتكلم الهولندية فقط كي لا يشعر أحد بالاستثناء أو التمييز.

“لكنك يا حضرة المدير تميّز ضد الطلاب من أصل أجنبي بمنعهم استخدام لغتهم الأم؟ أليست لغتهم جزء من هويتهم وكيانهم وأنت تحرمهم إياها؟ وماذا لو كان الحديث باللغة الإنجليزية أو أي لغة اخرى مفهومة لدى الكثيرين؟

“هذا قانون متفق عليه، اقرإي قائمة قوانين المدرسة أولا”، جاءت الإجابة، مضيفاً بأن هذا القانون ينطبق أيضا على الأهالي الذين يدردشون في ممرات المدرسة بلغة غير الهولندية.

لا يُمنع الطلاب من استخدام “لغة البيت” الذي تربوا فيه فحسب، بل أن بعضهم يتعرض للعقاب اذا استخدموا لغة غير الهولندية. وفي بحث أجرته كبرى الجامعات البلجيكية أتضح بأن ثمانية من أصل كل عشر طلاب أجانب على الأقل يتعرضون للعقاب اذا تحاورا بلغتهم الأم في الفصل الدراسي. ولا تحتاج أن تكون خبيراً تربوياً لتستنتج أيضا أن هذا الكبت لا بد أن ينعكس سلبياً على أداء الطالب.

يلومني الكثيرون بأني لم أعلم أطفالي لغتي الأم، العربية.  والآن جزءُ مني سعيد بأني لم اُقدم على هذه الخطوة. فما هي فائدة لغة غير مرحب بها في المدرسة.

*المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments