تجريم التكفير قمع آخر

  • 0

إبراهيم حمودة* – هللت مجموعة كبيرة من الناس بمختلف خلفياتهم لتضمين الدستور التونسي بندا ينص على تجريم تكفير الآخرين. التكفير والتكفيريون تيار بكامله ارتكبت باسمه الكثير من الجرائم، وهي جرائم تحدث في كل الأوقات وفي كل الديانات.

 قد يكبح تجريم التكفير بنص القانون جماح هذا التيار بشقيه العقائدي الذي ينطق الفتوى، والعملي الميداني الذي يقرن القول بالفعل وينفذ ما يراه الحكم المناسب على “الكافر”. ولكن بالمحصلة  النهائية سيظل هذا التيار موجودا وربما يلجأ لأساليب الجماعات المحرمة بالنزول تحت الأرض ليأخذ شكلا أكثر عدائية وتطرفا وخطورة.

 لم تفلح القوانين يوما في القضاء على الجريمة، فهي تعمل بالتضامن مع مؤسسات العدالة وآلة العنف التي تملكها الدولة على جعل الجريمة متعذرة وهو المسعى الذي يخلق شروط إحساس المجتمع بالأمان.

 تحمل خطوة تجريم التكفير في طياتها محاولة قمع وتجريد من حق التفكير والاعتقاد، وهي أمور تندرج تحت الحقوق والحريات الأساسية. فتيار التكفير في جوهره تيار ديني له نظرة محددة وتفسير محدد للنص القرآني. وصف الآخر بالكفر، ومن ناحية إجرائية محضة لا يعني أكثر من القول بتجاوزه لقواعد الدين وأركانه كما تفهمها هذه الفئة. من يضع هذا موضع الفعل ويذهب لتجريد الشخص المعني من حياته هم أفراد اختاروا وضع أقدامهم في دائرة الإجرام ويجب أن يؤخذوا على هذا الأساس بالقوانين العادية المتوفرة التي تتكفل بصيانة حرمة جسد الإنسان  وصيانة حقه في الحياة.

 مراجعة أفكار هذه الفئة بكل ما فيها من تطرف يجب أن تتم داخل مواعين الحوار على النطاق الفكري والسياسي والاجتماعي. هذا هو الإجراء الذي يحكم حياة الأفكار وطرائق التفكير ويشكل ذهنية الأفراد داخل مجتمع ما. واجب الدولة هنا هو ضمان الشروط اللازمة لسلاسة سير هذا الإجراء. أي ضمان مناخ الحرية في المؤسسات الإعلامية والسياسية والأكاديمية والتربوية.

 اللجوء لتجريم التكفير خطوة متعجلة، ربما تكون لها دوافعها النابعة من مناخ سياسي ومزاج اجتماعي معين. قد تؤدي هذه الخطوة لإحساس مؤقت بالراحة وأن الدولة كآلة استطاعت شكم مجموعة بعينها لها طريقتها الخاصة في التفكير ونظرتها للحياة، ولكنها قد لا تفلح كثيرا في إيجاد نوع من التقارب بين هذه الفئة ومحيطها المباشر. هدف دولة المؤسسات الحديثة ومجتمعها الذي تعبر عنه هو جعل الفرقاء يقبلون بعضهم بعضا رغم الاختلافات مهما بلغ عظمها. أن يقبل مواطن التعايش بسلام مع مواطن آخر رغم كفره.

 *المصدر: هنا صوتك، القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments