في نقد الهوية النمطية الأحادية

  • 0

باريس: احماد بويسان* – النظريات الكبرى السوسيو- ثقافية التي تركز على الانتماء الأوحد للأشخاص، والاقتصار فقط على جوانب أحادية دون غيرها من هوية الانسان خاصة تلك النظريات التي تصنف الناس إلى فئات بذاتها “مسيجة” داخل هويات جاهزة، وإلى ديانات معينة “جامدة”، أصبحت في السنوات الأخيرة موضة إعلامية وثقافوية تستهوي أوساطا واسعة محافظة في الغرب الرأسمالي، و تيارات تقليدية في البلدان المسماة إسلامية.

 النظرية الأحادية المنغلقة للهوية الانسانية التي تقوم  على التمييز القسري والاصطناعي بين الأفراد وتعليبهم داخل علب هوياتية منغلقة وضمن معاير وصفات جاهزة موحدة مطلقة وأزلية،  لها تأثير سلبي لا يمس فقط الأفراد بحرمانهم من اختيار حر وواعي لهوياتهم. بل يمتد لتوجيه الاختيارات الجوهرية على المستوى الاجتماعي، العمل السياسي، والسياسات العمومية نحو التصادم وصناعة العنف والخوف. وخير تجسيد لتلك النظريات هي التيارات الإسلامية وأخواتها من التيارات المحافظة الأنجلو- سكسونية. لا نستغرب إذا وجدنا ان الناطق الرسمي باسم الحكومة الملتحية المغربية الوزير الخلفي من أشد المعجبين  بالحزب الجمهوري الأمريكي، و لدى نخبة أوربية مؤثرة.

احماد-بويسان

صحفي وناشط حقوقي -باريس

 الهوية حسب التيارات الإسلامية 

 الأحزاب والجماعات الإسلامية تركز على الجانب القبلي الديني في تعريف العالم وتصنيف  المسلمين دون الالتفات إلى الجوانب المتعددة من هويتهم وتاريخهم، فلا تولي مثلا أدنى اهتمام للغنى التاريخي للمسلمين وما قدموه للعالم بعلمائهم المتنورين وبما أنتجوه في العلوم، في الرياضيات، الفلسفة، التاريخ، وفي  الفن  المعماري والموسيقى… ومن حركات احتجاجية تقدمية مناضلة – حركة القرامطة مثلا- هذا الإرث الإيجابي الذى بصم تاريخ الانسانية لا يهم الإسلاميين، هم مهوسون بتمجيد الهوية الدينية “الايمانية” العقائدية الضيقة التي تقدس الإكراه ومعاداة الآخرين، وما تخلفه من نتائج كارثية على مستوى الأفراد بتحويلهم إلى كائنات سكزوفرينية مرضية وإلى اغتيال حب الحياة في نفوسهم وعلى مستوى المجتمع بنشر العنف والكراهية وتقديس الفكر الشمولي و أسلوب الإقناع بالقوة. هذه التيارات المتزمتة تتناسى أن الإنسان يمكن أن يكون مسلما وفي الآن نفسه مولعا بموسيقى مايلكل جاكسون أو عاشقا لروائع أم كلثوم، ورويشة محمد، أولا تربطه إطلاقا أية علاقة بالدين الاسلامي بل فقط مولود في بيئة “إسلامية”. “المجاهدون” بتركيزهم على هوية دينية منغلقة يطمحون في الحقيقة إلى تجريد المسلمين من هوياتهم المتعددة  وإلى إغلاق كل الطرق المفتوحة لهم للاستمرار في الانفتاح على العالم وإلى طمس التقاليد التقدمية الغنية من  تاريخهم.

 الهوية حسب التيارات الأنجلو- ساكسونية والأوربية المحافظة

 نظرية الهوية الوحدانية الواحدية والبحث عن تصنيف تعسفي للأفراد إلى هويات جاهزة تستـأثر باهتمام التيارات المحافظة اليمينية الانجلو-سكسونية، فالعالم في اعتقادها عبارة عن فدرالية من الأديان الجامدة وحضارات متناحرة، والدول عبارة عن مجموعات دينية أو أثنية متنافرة، ولنا في السياسة الخارجية الأمريكية في العراق خير نموذج للتطبيق العملي الكارثي لمثل هذه النظرية النمطية في تصنيف الأفراد إلى هويات معلبة وإلى تكتلات منغلقة. فالدولة العراقية عبارة عن جماعات شيعية أو سنية أو كردية متناحرة فيما بينها وليس مجموعة من المواطنين لهم نفس الحقوق و الواجبات.

 جزأ من النخبة الأوربية تستهويها أيضا النظرية التبسيطية لمسألة التصنيف الهوياتي التعسفي  للأفراد خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسلمين أو القادمين من بلدان ذات أغلبية مسلمة. فالمسلمون في اعتقاد هذه النخبة إما افرادا لهم نفس الخصائص والصفات، أو جالية أبدية ذات هوية منسجمة، دون الأخذ بعين الاعتبار انتماءاتهم المهنية، الطبقية، أو لهوياتهم الأدبية أو الفلسفية المتعددة والمتنوعة. وانتماؤهم  “الهوياتي”    بمنطق تلك النخبة إسلامي ديني بالضرورة وهم- حسب نفس النخبة- مسلمون قبل أن يكونوا مواطنين. متناسين مبدأ حرية الاشخاص في اختيار هويتهم. والأدهى من ذلك هو عندما تلجأ الدولة والمؤسسات الرسمية  في أوربا لتنصيب رجالات الدين وأقطاب الجماعات الاصولية كمخاطبين رسميين باسم عموم المسلمين  والأوربيين من أصول إسلامية، مما يتناقض مع نظرية المواطنة ومساواة جميع الأشخاص أمام القانون، بغض النظر عن الأصل أو المعتقد، تلك المواطنة التي تقوم عليها – نظريا- الدولة الأوربية.

 كلنا جميعا ننتمي إلى هويات متعددة حسب محيط معين أو الأصل أو حسب علاقاتنا مع الآخرين، وكذلك بحسب أنشطتنا الاجتماعية، وننتمي جميعا بطريقة أو بأخرى إلى مجموعات متنوعة ومختلفة. لكن الخطأ يكمن  في حرمان الفرد من حرية اختيار هويته وإجباره للخضوع لمعايير هوياتية  وقوالب نمطية جاهزة و مطلقة  خارجة عن إرادته.

 * صحفي وناشط حقوقي -باريس

 bouissanahmed@yahoo.fr

Comments

comments