محمد أمزيان: يحدث بين أبناء مازيغ .. قصة واقعية جدا

  • 0

المكان: مطعم في إحدى المُركّبات السياحية بالرباط

التاريخ: إحدى أيام  أكتوبر 2004

المناسبة: لقاء ثقافي حول الشباب و المواطَنة

الوقت: انتظار وجبة عشاء

 —————-

كنا في البداية اثنين. انتبذنا مكانا قصيا في المطعم الكبير ننتظر وجبة العشاء. انضم إلينا ثلاثة آخرون فأصبحنا خمسة. خيم صمت ثقيل أزعجني، فرحت أعبث بكوب الماء بعد أن شربت منه آخر قطرة. بين الحين والآخر أبادل جليسي الأول الذي قدم من هولندا للمشاركة في هذا للقاء، بعض الكلمات بالريفية. وفجأة:

 – مسموح نَتْعارفو بيناتْنا؟ قال أحد الثلاثة

 –  بالتأكيد! أجاب جليسي

 –  انْتُما رْيَافَا؟!

 –  نعم! من تِفرسيت. أجاب جليسي

 –  من أي دوار بالضبط؟

 فراح السائل يعدد له دواوير تفرسيت باباَ بابا حتى أصابني الدوار.

 – أنا من ميضار .. من جمعية (….) – وسمى الجمعية باسمها – وهي جمعية ثقافية أمازيغية.

وهكذا انفتحت شهية محدثنا في الكلام، وكأن الزمن كان يطارده ويخشى ألا يكفيه وقت ذلك المساء لقول كل ما كان يريد قوله. فأفاض في الحديث عن الجمعيات الأمازيغية التي قال إن “فضاء القاضي قدور” يتشكل منها والتي لا تتلقى في رأيه ما تستحقه من الدعم والتشجيع. ثم عرج على الجمعيات التي شدد على أنها تنشط في إطار الأحزاب السياسية، ولها على العكس من الإمكانيات المادية ما لا يوجد عند غيرها!!

- القاضي قدور معروف وغني عن التعريف! أضاف محدثنا بنبرة مؤكِّدة حتى يزيل التردد من عيوننا.

ولم يلبث أن التحق بمجلسنا شخص آخر.

 – أزّول!

 – أزول فلاك!!

 وهنا لاحظت بعض الحيرة على وجه جليسي الأول الذي لا يتقن الريفية. تساءل شخص آخر كان يتابع الحديث ساكتا مثلي عن مصدر كلمة “أزول”؛ من “اخترعها” وكيف أصبحت الآن متداولة؟  قال الذي نطق بها أول مرة:

- إنها كلمة أمازيغية قديمة ولم يخترعها أحد في زمننا الراهن. لقد كانت مستعملة قبل …

وتلقف أخونا الكلمة مرة أخرى ليلقي علينا درسا مبتورا عن تاريخ الأمازيغ قبل الإسلام.

 –  عمّ يتحدثون؟ سألني جليسي الأول باللغة الهولندية، وعلامات الاستغراب تنهش قسمات وجهه.

 حاولت أن أشرح له بسرعة حتى أعود لمتابعة بقية الدرس الذي نزل علينا بغتة!

 –  شوف!! نحن الآن لا نتحدث باللغة الأمازيغية الفصحى، بل بلهجة من لهجاتها المتعددة. تماما كما العربية. فنحن الآن نتواصل باللهجة المغربية.

 –  اللهجة المغربية المتداولة ليست عربية. إنها أمازيغية!! ينقضّ الآخر مقاطعا….

 وخاض الاثنان معركة كلامية سقط فيها التاريخ ضحية مضرجا بحيرته. وبينما كانت عينا جليسي الأول تستوضحان عن سبب هذه المعركة الكلامية التي اندلعت بلا سابق إنذار، سمعت أحدهم يواصل بنبرة صائحة:

 – شوف!! على سبيل المثال “أكسوم أزيزا” (لحم أخضر) تعبير أمازيغي يُستعمل في الدارجة المغربية فقط دون غيرها من اللهجات العربية. أيضا، إذا قلنا بالدارجة المغربية “جا مْعاه السّروال”! فهذا التعبير لا يفهمه السعودي مثلا لأنه ببساطة تعبير أمازيغي أصيل!

شخصيا لم أستوعب وجه المقارنة، لأن السعودي بحكم العادة والتقاليد والجو يلبس الدشداشة والتبان بدل  السروال، وبالنتيجة لا يعرف إن “جاء” معه السروال أم لا! ما علينا، لنتتبع بقية أطوار المعركة.

أسرع محدثنا ليأخذ بناصية الحديث بعد سكوت اضطراري:

 – نحن الأمازيغ … هذا الجيل بالذات جيل لم يسبق له مثيل في التاريخ!

 استوطنني العجب وقلت مع نفسي: يا لها من بشرى! وتمنيت لو أن صاحبنا شرح الفكرة أكثر. غير أن جبهة الكلام كانت قد انتقلت دون رجعة إلى المقاتليْن الآخريْن.

 تهت عن مجرى الحديث. وبينما أتأمل حيرة جليسي الأول المسكين،،، إذا بالنادل يشرع في إحضار الطعام. فتسابقت الأيدي نحو قطع الخبز المتناثرة.

 و… رُفع الكلام . المعركة أصبح لها الآن طعم آخر!!

 *في أكتوبر 2004 دعيت لحضور ندوة في الرباط عن الشباب والمواطنة. وحدث أن كنت شاهدا لنقاش نبت فجأة من العدم.

Comments

comments