محمد أمزيان: الرهينة

  • 0

تناهى إلى مسامع مراقبين في إحدى القواعد العسكرية التابعة للحلف الأطلسي فجأة صوت موسيقى عربية ينبعث من كابينة طائرة إسبانية. حالة استنفار عامة قبل أن يقوم هؤلاء بإخطار المنسق الوطني الهولندي للأمن ومكافحة الإرهاب عن دخول طائرة “مشبوهة” الأجواء الهولندية.

وبسرعة قياسية كانت مقاتلتان من نوع ف 16 بكامل عدتهما الهجومية في سماء ’دين هيلدر‘؛ البوابة التي تدخل منها الطائرة الإسبانية استعدادا للهبوط في مطار سخيبهول الدولي. وبسرعة قياسية كذلك كانت الأخبار تترى عن احتمال “احتجاز رهائن” في الطائرة وربما محاولة اختطافها.

تزامن ذلك مع ورود أخبار، في صبيحة نفس اليوم، عن محاولات تنظيم القاعدة تفجير مبان حكومية هولندية ومؤسسات دولية في لاهاي لتتصدر وسائل الإعلام، وخاصة الرقمية منها. التحذير عن نوايا ’القاعدة‘ جاءت من وسائل إعلامية باكستانية والسلطات الهولندية تعاملت مع الخبر بجدية واضحة. لم تتحدث وسائل الإعلام الهولندية حول ما إذا كانت فرق مكافحة الإرهاب ألقت القبض على مشتبه ما، ولم يُعلن عن اكتشاف قنبلة ما قد تكون مخبئة تحت حزام مشبوه. عفوا! لقد عثر فعلا، وفي وقت مواز، على قنبلة حقيقية قرب مطار سخيبهول لكنها من مخلفات الحرب العالمية الثانية وتم تفجيرها في الخلاء من قبل فرقة مختصة.

يا للصدفة! والآن هذه الطائرة التي تذهب يسارا إذا طُلب منها التوجه يمينا أو العكس مما عزز المخاوف من عمل إرهابي. هل تتعرض الطائرة لمحاولة اختطاف من قبل مجهولين؟ وهل هؤلاء المجهولون يحتجزون ركابها الـ 180 الذين كانوا في رحلة عودتهم من إجازتهم الصيفية في الجنوب الإسباني؟ احتمالات لم يتهاون معها المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب فأعطى أوامره الفورية لتطبيق “بروتوكول الطوارئ” الذي يعني استخدام الطائرات المقاتلة لمرافقة الطائرة وتوجيه إنزالها نحو مكان معين، ثم إحضار فرق الإطفاء وسيارات الإسعاف وفرقة الاقتحام الخاصة، بل إحضار حتى الخبير في التفاوض لمحاورة الخاطفين المحتملين! كل شيء كان جاهزا.

وسائل إعلام دولية اتصلت بإذاعة هولندا العالمية مستفسرة. زميلي الذي قُدر له أن يجيب عن استفسارات الإعلام الأجنبي ركبته الحيرة بدوره وتساءل: ماذا يجرى؟

من داخل الطائرة الإسبانية تتسلل “تغريدات” عبر تويتر. “كل شيء عادي”. “أحسسنا بشيء غريب حينما دارت الطائرة مرات حول نفسها قبل أن تحط”، يغرد آخر. والموسيقى العربية ما دخلها في الموضوع؟

الموسيقى العربية والتصرف الغريب لقائد الطائرة الإسباني هو ما دفع إلى حالة الاستنفار العامة، بحسب الناطق باسم المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب (NCIV). لا أحد حتى الآن استطاع تفسير سبب انبعاث الموسيقى العربية من كابينة طائرة إسبانية. ولعل التحقيق الذي شرعت في إنجازه شرطة الملاحة الجوية قد يأتي بجواب.

استمر هذا الشريط السريالي لأكثر من أربع ساعات ونصف الساعة؛ من الساعة 13.30 حتى الساعة 17.58 حينما أعلن المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب أن العملية كلها استندت على خلل في الاتصال بين قائد الطائرة وبرج المراقبة. “إنذار كاذب” إذن. حبس الناس أنفاسهم طيلة أكثر من أربع ساعات قبل أن يكتشفوا أنهم ظلوا رهينة لخوف مبالغ فيه.

Comments

comments