محمد أمزيان: حول المصالحة ودفن الماضي

  • 0

إذا كانت الذاكرة الفردية هي صانعة الإنسان الفرد، فإن الذاكرة الجماعية هي بلا شك صانعة الشعوب. والذاكرة في مفهومها الواسع تعني مخزون الماضي بما يحمله من مخيال يبعد أو يقرب من الحقيقة.

وعادة ما يشتد الحديث عن الذاكرة/الماضي حينما تشتد الأزمات على أمة ما وتتعاظم التحديات لمواجهة متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل. ومن المؤكد أن فتح صفحات الماضي هو قبل كل شيء سلوك حضاري يتجاوز الآلام الذاتية إلى ما هو أسمى وأكبر. وهو أيضا سلوك أخلاقي يحرك الضمائر الحية في المجتمعات المتحضرة لمد جسور الثقة بين مختلف الشعوب والأجناس.

بيد أن الماضي ليس كله أمجاد وبطولات تتشوق القلوب والأفئدة لاستلهامها واستنهاضها؛ إنه أيضا أوزار تعيق كاهل الحاضر وتثقل الخطى نحو المستقبل. وهو أيضا لعنة تلاحق الأجيال عبر الزمن. ولذلك تتولد الرغبة أحيانا بضرورة العمل على دفن هذا لماضي الجاثم على الصدور كالكوابيس المزعجة.

إن ما حدث في جنوب إفريقيا من مصالحة تاريخية مع الماضي مثال ساطع على نبل الرغبة في التجاوز والتأسيس لمجتمع متكافئ سياسيا رغم المعيقات الاجتماعية والاقتصادية التي تنشب أظافرها في خاصرة المسيرة الطويلة. شعب جنوب إفريقيا الذي عانى طويلا من ميز عنصري مؤسس ومبرر قانونا ودستورا على يد أقلية بيضاء وافدة استوطنت الأرض واستعبدت الإنسان، يمد يد الصفح إلى الجلاد في مشهد تاريخي عظيم ينم على عظمة هذا الشعب تحت قيادة زعيمه الأسطوري مانديلا. ومصالحة جنوب إفريقيا مع ذاتها لم تتوقف عند عتبة الصفح والبكاء، بل تخطتها إلى مستوى الممارسة الديمقراطية الحرة. مانديلا المسجون يصبح رئيسا لكل الشعب وحزبه المنبوذ سابقا يصبح أقوى الأحزاب. هذا هو الدرس الديموقراطي يأتينا من قاع إفريقيا.

وفي أوروبا الغربية الحاملة لشعلة التمدن والتحضر على مدى القرون الماضية تواجهها، أكثر من غيرها من بقاع العالم، ندوب في ذاكرتها الجماعية يصعب التخلص منها بسهولة. هناك قضية الاتجار بالعبيد وطرد المسلمين واليهود من الأندلس واجتثاث جذور الهنود الحمر في العالم الجديد ومعاناة اليهود والغجر والمثليين من النازيين خلال الحرب العالمية الثانية وغيرها من الشواهد والصفحات التي تعاند الطي وتصر لعنتها على ملاحقة الحاضر بلا رحمة. وإذا كانت أوروبا الغربية قد توصلت بشكل من الأشكال، وتحت ضغوط اليهود عبر العالم إلى صيغة للتعامل مع ملفهم، فإن باقي الملفات ما تزال تنتظر مواقف شجاعة من صناع القرار والأخذ بنفس معايير التعامل مع الملف اليهودي.

أما في المغرب، فإن انفراجا ملحوظا حدث في مجال حقوق الإنسان؛ إذ نشطت الجمعيات الحقوقية وجاهرت بمعايناتها ومتابعاتها. كما أن بعض الأحزاب السياسية تبنت ملفات بعينها ودافعت عنها في المحافل الوطنية والدولية، ثم نزلت الدولة بثقلها فأنشأت وزارة بكاملها حملت اسم وزارة حقوق الإنسان قبل أن تحذف في التعديل الأخير.

وبموازاة مع هذه التطورات بدأ الحديث عن سنوات الجمر أو الرصاص وما يحمل هذا التعبير في نفوس المغاربة من معاني القهر والسجن والتعذيب والاعتباط ومصادرة الحريات. فظهرت شهادات معتقلين سابقين خرجوا أحياء من الجحيم لكن بدون حياة. وكأن الدولة شعرت بنوع من تأنيب الضمير فسارعت إلى توزيع بعض التعويضات وتهدئة الخواطر. ثم تطور الأمر بالدعوة إلى فتح ملفات الانتهاكات منذ الاستقلال إلى نهاية التسعينات، من أجل البحث عن الحقيقة وكشفها أمام الرأي العام ومن ثم التعويض وجبر الضرر.

من إيجابيات هذه المبادرة أنها فتحت المجال للنقاش والتحاور والمساءلة؛ مساءلة الذات قبل كل شيء عن هذا الماضي المؤلم الذي ينبغي التصالح معه أو نسيانه ودفنه. لكن أمام هذا المشهد السريالي تتبادر إلى الذهن بعض الأسئلة الساذجة من قبيل: هل الدولة، باعتبارها صاحبة المبادرة الآن، جادة فعلا في دفع عجلة المصالحة في الاتجاه الصحيح؟ هل هي مستعدة فعلا لتقبل نتائج التقصي والبحث عن الحقيقة مهما كانت قاسية ومخجلة؟ هل ستعيد النظر في طريقة تعاملها مع المناطق المغضوب عليها أم ستكتفي بتوزيع الوعود وزرع الآمال في تربة شُحّت ينابيعها فأصبحت لا تُنبت إلا السراب؟ هل سيُكفِّر المخطئون عن خطاياهم ويطلبوا العفو من ضحاياهم في خطوة تاريخية تكون هي البداية نحو مستقبل تطمئن فيه النفوس وترتاح فيه الضمائر؟ إذا كان هذا هو الهدف فإن الشعب المغربي حتما سيتصالح مع ماضيه.

ومن بين الملفات التي لا شك أن الهيئة ستنظر فيها وتعمل على كشف حيثياتها وملابساتها، هناك ملف انتفاضة الريف في أواخر 58 وبداية 59 من القرن الماضي. تلك الانتفاضة التي نالت حضها الوافر من التجاهل والنسيان والتحريف والتزوير والبهتان. فالذين قاموا بها هم في نظر المركز “متمردون”، “عملاء”، “صنيعة الأجنبي”، انفصاليون”، بل هم أيضا “صنيعة القصر” لكسر شوكة حزب معين!!

إن الريفيين حينما طالبوا بتكوين حكومة وطنية (بمفهوم أن الوطن يتسع للجميع وليس لفئة بعينها) هل كانوا انفصاليين؟ حينما طالبوا برجوع عبد الكريم إلى المغرب هل كانوا متمردين؟ وحينما طالبوا بمراعاة تقاليد الناس هل كانوا عملاء للأجنبي؟ إن الانفصاليين الحقيقيين ينبغي البحث عنهم خارج الريف؛ إنهم أولئك الذين زوروا التاريخ وروجوا لأسطورة التمرد. هم أولئك الذين هجّروا آلاف الريفيين من مساكنهم ونهبوا عائداتهم على مدى أكثر من أربعين سنة ولم ينشئوا لهم ولو جسرا واحدا يربطهم بباقي الوطن.

فإذا كنا فعلا نريد البحث عن الحقيقة فمن هنا نبدأ. هذه هي شهادتي وشكرا لكم على كل حال.

أمستردام، الجمعة 8 أكتوبر 2004

*شهادة أدليت بها أمام لجنة عن هيئة الإنصاف والمصالحة زارت هولندا. نُشرت هذه المداخلة في صحيفة “تيفراز” المغربية

Comments

comments