محمد أمزيان: الموكب الملكي

  • 0

في ’يوم الأمراء‘ لا تتوقف شرايين الحياة ولا تتعطل حركة السير ولا ’يسرّح‘ فيه أطفال المدارس ليُستنبتوا على قارعة الطريق للهتاف والتصفيق. فحياة الناس تستمر بشكل طبيعي كما مياه النهر حين تنساب بهدوء تحت جسر القرية.

ليس كل الهدوء، لأن فئة معينة من الناس تستعد لهذا اليوم مثلما تستعد لخوض معركة مصيرية. فالنساء اللواتي يشغلن مناصب وزارية أو وظائف عليا في الدولة أو يمثلن الشعب في البرلمان بغرفتيه الأولى والثانية، يبدأن سباقا محموما لاقتناء أجمل القبعات، وربما أغربها وأقلها كلفة. خذ مثلا: زعيمة حزب الحيوانات، وهو حزب معترف به وله نواب في البرلمان، بدت وكأنها قبطان بحري تحمل قبعتها شعار: ’أنقذوا حيتان البحر،! ثم نائبة برلمانية تمثل قسما من اليسار المعارض، استعارت قبعة إحدى الممثلات في مسرحية تدور أحداثها في القرن الثامن عشر، أي قبل قيام النظام الملكي في البلاد. هذه البرلمانية تريد الاحتجاج بطريقتها على سياسة التقشف الشرسة التي ستصيب الثقافة خلال السنوات القادمة. في حين اعتمرت زوجة ولي العهد الأجنبية الأصل، قبعة شبيهة بقبعات رعاة البقر في صحراء الغرب الأمريكي. ’يوم الأمراء‘ يستحق عن جدارة لقب ’يوم القبعات‘.

أما كبار الدولة من الرجال فيحشرون أنفسهم في ملابس ثلاثية الأجزاء، قُدت على قاماتهم فيظهرون فيها كتماثيل الشمع المحنطة في متاحف ’مدام توسو‘. الجميع في قاعة العرش ينتظرون وصول العربة الملكية وأنوفهم مصوبة نحو كرسي العرش الفارغ. كل شيء يسير وفق جدول حدده كبير خدام القصر بالثواني. لا مكان للارتجال. حتى طاقم التلفزيون المكلف بنقل المراسم مباشرة إلى داخل بيوت الناس، يلتزم بالجدول ويكرر على مسامع المشاهدين أن الموكب الملكي سيمر في الشارع الفولاني وفي الوقت الفولاني وهلم جرا، دون التفكير في ذوي النيات السيئة الذين – ربما – قد يدبرون أمرا ما من شأنه تعطيل سير الموكب الملكي أو تغيير مساره.

يتكون الموكب الملكي من ثلاث عربات خشبية قديمة: الأولى تحمل كبير خدام القصر المشرف على البرتوكول والتشريفات، ويمكن تسميته ’ريموت كونترول‘ الموكب، وهو الذي يسهر على كل تفاصيل الموكب. والثانية تحمل أمراء قد يكون لهم نصيب في العرش في حالة غياب صاحبه وولي عهده. والثالثة تحمل رأس الدولة: الملكة وولي عهدها وزوجته. لا فوضى في الشارع ولا مطاردات للموكب الملكي بهدف تسليم رسائل مهربة، ولا صراخ يخرج من حناجر مبحوحة أنهكها الانتظار.

لا يبدو على وجوه الواقفين في انتظار مرور الموكب الملكي أي ملل. معلقة التلفزيون – تلفزيون الدولة، يعني تلفزيون الشعب – قالت بلؤم: هؤلاء الواقفون ينتمون لجمعيات أنصار البيت الملكي! ولم يتوقف لؤم فريق التلفزيون الذي كان يغطي الحدث من الخارج عند هذا الحد، بل راح يطرح أسئلة على بعض الواقفين: ما رأيكم في دور الملكة؟ ألا يكفيها قص الشرائط وترك الحكم لأهله؟ أو مثلا: ألا ترى أن العائلة المالكة تكلف الكثير والبلاد تمر في أزمة مالية؟

يبدو أن الحيلة لم تنطل على منتظري الموكب الملكي، وهم في الغالب من مناصري الملكية، كما ذكر التلفزيون الوطني، فجاءت أجوبتهم متقاربة مفادها: لا لتقليص الصلاحيات.

تتحرك العربة الملكية المذهبة صوب قاعة العرش القريبة من البرلمان، تجرها خيول سوداء باستثناء لون حصان كبير الوصفاء الذي يسبق العربة الملكية، فلونه أشهب. مقدمة التلفزيون ذكرت اسم الحصان وعمره وقالت إنه سيتقاعد هذا العام وأن على القصر الملكي أن يبحث من الآن عن حصان آخر يشبهه في اللون والقامة والطاعة.

وقفت العربة الملكية أمام باب كبير يؤدي إلى قاعة العرش. نزل ركابها الثلاثة وكادت الريح أن تطيح بقبعة زوجة ولي العهد لولا سرعة حركة يدها اليسرى، لأن يدها اليمنى كانت تمسك بحقيبة يد من نفس لون القبعة. في الحقيقة، مثل هذه الحركات هو ما ينتظره قناصو الصور المنتشرين كالفطر في كل زوايا مسار الموكب الملكي. مدت رئيسة البرلمان يدها إلى الملكة للسلام عليها مع انحناءة لا تكاد تُرى، وأومأت لها أن تتفضل إلى الداخل.

داخل قاعة العرش وقف جميع المدعوين: رجالا ونساء، وزراء ونوابا، ممثلين وكتابا، إعلاميين وتجارا احتراما وتقديرا للتي ستجل الآن على العرش. بين الحاضرين انبرى أحدهم هاتفا: “هيب هيب هورا”! (مرتين) وردد الجميع وراءه: “هيب هيب هورا”! (مرتين) وهي عبارة مبهمة قد تعني في لغة البلد المندرسة: “عاش الملك”! وربما: “الله يبارك في عمر سيدي”!

باهتمام مبالغ فيه يستمع الجميع للخطاب الملكي الذي تقرأه الملكة بعناية. حتى رئيس الوزراء ظهر على شاشة التلفزيون وهو يستمع للخطاب وكأنه يسمعه لأول مرة، محركا حاجبيه تارة ولاحسا شفتيه تارة أخرى مع أن الكل يعلم أنه هو ونوابه ومستشاروه، من كتب الخطاب بعد اتفاق مسبق على مضمونه مع شركائه في الحكم. حتى المعارضة كانت تعرف مضمون الخطاب، بل الصحافة نشرت قبل يوم خطوطه العريضة. هذا ما يسمونه هنا: اللعبة الديمقراطية.

انتهى الخطاب الملكي ووقف الجميع حتى غادرت الملكة قاعة العرش، وعادوا إلى مقاعدهم التي لن يغادروها حتى يأتيهم خبر وصول الملكة إلى قصرها. وبمجرد نزول أفراد الأسرة الملكية من عرباتهم وظهورهم على شرفة القصر جميعا ليحيوا الجمهور المنتظِر ويعطوه فرصة التقاط صور تذكارية، حولت مقدمة التلفزيون الميكرفون لوحدة متنقلة متواجدة داخل مبنى البرلمان لمواصلة النقل المباشر لبقية فعاليات “يوم الأمراء”.

يركز هذا الجزء من النقل المباشر على دعوة ممثلي الفرقاء السياسيين للحديث عن قضايا الساعة. دار المحور الأول حول “دعوات” إصلاح الملكية، وكانت الملكية في الأشهر القليلة الماضية محل تجاذب سياسي بين من يدعو إلى مزيد من تقليص السلطات وتحويل الملكة ومن يخلفها إلى مجرد صورة رمزية يستحضرها الشعب في المناسبات العامة، وبين من يرى أن الملكية تتطور بنفسها وستأخذ آجلا أو عاجلا مكانها الطبيعي في النظام السياسي الذي اختاره الشعب بحرية.

نسيت أن أخبركم بأنني أتحدث هنا عن “يوم الأمراء” في هولندا حيث يستغل الهولنديون ثالث ثلاثاء من شهر سبتمبر من كل عام للاحتفال بيوم الأمراء، وهو في الحقيقة بمثابة الإعلان الرسمي لانطلاق الموسم السياسي الجديد والعمل الحكومي في البلاد، وهو أيضا يوم عرض الموازنة العامة للدولة على أنظار البرلمان للمناقشة التي تستمر أياما وبحضور الوزراء ونواب الأمة، ولا يمكن أن يتغيب أحد عن هذا الموعد تحت أي ظرف حتى ولو كانت البلاد في حالة حرب.

أنهت الملكة مهمتها وعادت إلى بيتها في انتظار خطاب قادم في العام القادم. ملكية لها منتقدون علنيون حتى تحت قبة البرلمان، ولها في نفس الوقت معجبون انتظموا في جمعيات تشبه جمعيات أنصار الفرق الرياضية، هل بقي هناك ما تخاف منه؟

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments