محمد أمزيان: الملكة وأحفادها

  • 0

جلست الملكة الهولندية على عرشها تتلو خطاب الدخول السياسي في يوم الأمراء. تحيط بها حفيداتها، بنات الأمير ويليم أليكسندر ولي العهد المنتظر. إحدى الحفيدات لا تبالي بما تقول جدتها والأخرى تطلب منها أن تأتيها بقصة أخرى.

ليس هذا من نسج خيالي، ولكن من نسج ريشة فنان كاريكاتوري نشر رسمه على صفحة جريدة يومية توزع بالمجان بمناسبة خطاب عيد الأمراء. وبعدها بيومين نشرت نفس الجريدة لنفس الفنان رسما كاريكاتوريا للملكة، وهذا غيض من فيض لأن الملكة بياتريكس المحبوبة جدا من شريحة واسعة وعريضة من شعبها تمثل مادة دسمة لعين الفنان وريشة الرسام.

في خطاب سابق لها انتقدت الملكة الهولندية شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة مثل الفيسبوك وتويتر ويوتوب وغيرها، على اعتبار أنها تُدخل العلاقات الإنسانية الحميمة إلى منطقة البرود والجمود. والمفاجأة أن الملكة نفسها أطلقت قناتها “اليوتوبية” الخاصة بها، كما فتحت حسابا على تويتر لتتواصل به مع متتبعيها الذين أصبحوا في أيام معدودات يعدون بعشرات الآلاف. “مرحبا بأتباع الأسرة المالكة على تويتير ونتمنى للجميع يوما سعيدا”. كانت هذه فاتحة كتاب الملكة على تويتر، والتي سرعان ما تناقلتها وسائل الإعلام. تخيل معي أن الملكة تبدأ عمل يومها بتفقد رعيتها في مملكة تويتر قبل استقبال مستشاريها واستعراض أهم أحداث الساعة.

هولندا في هذه الساعة أحداثها (السياسية) كلها مهمة. فالملكة استعادت دورها السياسي بقوة مع تعثر مفاوضات تشكيل الحكومة وتأخرها. الملكة بحسب بنود الدستور هي رأس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وإن كانت لا تحظر أي اجتماع حكومي. ولكنها رسميا هي من يقيل الوزراء ومن يوافق على تعيينهم. ومع أن الموافقة صورية ما دام أن الحكومة تتشكل بناء على إرادة الشعب التي تترجمها صناديق الاقتراع العام على أرض الواقع، فهناك مع كل هذا من يريد تقليص “دور” الملكة والملكية إلى درجة الصفر. لا فرق بين صورة الملكة المعلقة على جدار البنايات الرسمية، أو الملكة التي تمشي في الأسواق. على أية حال، العكس هو الذي ظهر مؤخرا حينما استعادت الملكة زمام المبادرة وأرسلت إشارات دالة إلى زعيم الأغلبية أنها في النهاية من يقرر في أمر تعيين أو تغيير المشرفين على إدارة المباحثات بين الأحزاب السياسية بهدف تشكيل الحكومة.

هذه الملكة نفسها التي صرخ في وجهها أحد المواطنين وهي في طريقها إلى البرلمان لإلقاء خطاب الدخول السياسي أو خطاب العرش. يوم الأمراء يكون في ثالث ثلاثاء من شهر سبتمبر من كل سنة، تشكلت الحكومة أم لم تتشكل. وفي هذا اليوم تتقرر في خطوطها العريضة الصورة المالية للبلد خلال سنة كاملة. صرخ هذا المواطن إذن بعبارات غير لائقة ولا ندري إن كانت الملكة سمعت أم لم تسمع إلا أن المشهد انتشر على نطاق واسع على قناة اليوتوب. ألقي القبض على ذلك الشخص بطبيعة الحال ليتبين لاحقا أن الصارخ يعاني من اضطرابات نفسية ويتابع علاجه في إحدى المصحات المختصة. قد يقول قائل إن هذه ’التخريجة‘ معهودة في البلدان العربية التي تعتبر فيها معارضة الحاكم ضربا من الجنون أو الاضطراب النفسي. لكن أن تقتدي بها دولة مثل هولندا..! على أية حال لم يأتينا الخبر بعد أن هذا الشخص قضى نحبه في المعتقل بسبب مغص في المعدة أو نتيجة امتناعه عن تناول جرعة الأنسولين اللازمة لخفض حجم السكري في الدم!

المهم في كل هذا أن الملكة واصلت رحلتها في عربتها الملكية التي تجرها الخيول إلى أن وصلت إلى قاعة العرش حيث يجتمع مجلس النواب بغرفتيه الأولى والثانية. وبعد ذلك جاء وقت تلاوة خطاب العرش الذي يكتبه في الحقيقة رئيس الوزراء، وهذا الأخير يحرره له موظفوه. والنتيجة أن الخطاب الذي تتلوه الملكة وينسب إليها، يكتبه موظف مغمور في ديوان رئيس الوزراء. ولعل ذلك ما حدا بإحدى حفيدات الملكة أن تقول لجدتها – كما جاء في الرسم: هل لديك قصة أخرى، قصتك أنت ياجدتي؟!

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments