محمد أمزيان: رسالة إلى الملك

  • 0

أواخر الشهر الجاري يقفل عاهل المغرب محمد السادس عامه الحادي عشر على عرش المملكة المغربية. المغاربة يتذكرون كيف حمل محمد السادس إلى جانب أخيه الأمير رشيد نعش والدهما إلى مثواه الأخير في آخر أيام شهر يوليو من سنة 1999، ويتذكرون كذلك كيف علقوا عليه الآمال ليقطع مع ماضي والده السياسي والمتسم بالقسوة والصرامة.

ماذا تغير خلال هذه المدة القصيرة في عمر الدول، ولكنها طويلة إذا كانت الانتظارات لا تحتمل مزيدا من الانتظار؟ نجح الملك محمد السادس في إطلاق سلسلة من الأوراش الكبرى في ميادين البناء والبنية التحتية، وإصلاحات أخرى طالت الأحوال الشخصية والمرأة على الخصوص، وهناك أوراش أخرى تنتظر مثل القضاء والتعليم وتحدي الجهوية. إلا أن ما يقلق عددا من المتتبعين للشأن العام في المغرب هو الانتكاسة التي عرفها ميدان الحريات، وخاصة ما تعلق منها بحرية التعبير والرأي والصحافة المستقلة. وما بقي من الصحافة المستقلة أضحى على جمر متقد يحرق بناره هوامش التحرك يوما بعد يوم. ومع بروز الدعوات إلى ضرورة “تقنين” التعددية الحزبية، يخشى البعض من اتجاه بوصلة المغرب صوب “النموذج التونسي” بدل الاتجاه نحو “النموذج الأوربي”.

يشرف الملك إشرافا “مباشرا” على تنفيذ المشاريع الإنمائية في أقاليم مملكته، ويبدو أنه لا يترك “تصريف الأمور” للجهات المعنية من وزارات ومؤسسات، ولكنه يتابع بنفسه سير الأمور. في شهر يونيو الماضي قام بزيارة رسمية لمدينة الحسيمة (شمال) حيث دشن مجموعة من المشاريع، ليعود إليها هذا الشهر لقضاء عطلته الصيفية. ولكنه لم يركن إلى الراحة، بل فاجأ الجميع الأسبوع الماضي حينما تم إيقاف عدد من المسؤولين، الكبار والصغار، عن العمل وغالبية هؤلاء ينتمون إلى الجهاز الأمني والجمارك، فضلا عن موظفين تابعين لوزارة الداخلية. وتحدثت الصحافة الوطنية عن “زلزال” آخر يهز مدينة الحسيمة في عز حرارة الصيف، بعدما زلزلها زلزال طبيعي قبل بضع سنوات.

هل فقد الملك ثقته في أجهزة حكومته التنفيذية وأصبح هو من يعين ويقيل ويدبر ويسير؟ لماذا لا يتحمل وزراء الوزارات المقصرة مسؤولياتهم السياسية ويستقيلون؟ أم أن إجراءات الملك في حق هؤلاء المسؤولين ما هي إلا “غضبات ملكية” سرعان ما تمر؟

المواطن العادي مسرور بإجراءات الملك ولا يهمه إن كانت “غضبات” أو “حملات تطهير”. سائق التاكسي هذا الصباح قال دون مقدمات: ” سيغادر الملك مدينة الحسيمة وعندئذ ستعود حليمة لعادتها القديمة”. “محمد السادس تعود على الحسيمة حتى أصبح واحدا من سكانها”، يقول أحد الركاب بجواري.

فعلا، تتناسل الحكايات عن ملك يقود سيارته بنفسه وسط أزقة المدينة، يحييه الناس ويحني هو رأسه أو يحرك يده في إشارة لرد التحية. شخصيا لم أره، وما رأيته هذا اليوم هو سيارة ذات دفع رباعي من نوع رانج روفر يسبقها رجل أمن على دراجة نارية وتتبعها سيارة ذات الدفع الرباعي أيضا. الحكايات لا تتوقف عند رؤية السيارة، بل تتعداها إلى مبادلة الحديث مع صاحبها: الملك.

من الظواهر المصاحبة لوجود الملك في هذه المدينة السياحية (الحسيمة) هو انتشار ظاهرة “اصطياد” الملك لتسليمه رسالة وربما رزمة رسائل. في بداية حكم محمد السادس كانت رسائل المواطنين تعبر الحواجز لتصل يد الملك، وبعدها تفتح أبواب العمل أمام صاحب الرسالة وربما أشياء أخرى مثل الحصول على رخصة ما أو رفع الحيف وما إلى ذلك. رسائل المواطنين أصبحت “تجارة”، بحيث يقوم شخص ما بجمع عدد من رسائل المواطنين لتبدأ بعد ذلك عمليات المطاردة؛ مطاردة الملك في الحل والترحال حتى تحين “فرصة” تسليمه تلك الرسائل. وهكذا ظهر أيضا نوع جديد من السمسرة: سمسرة الرسائل الملكية. وتقول الحكاية الشعبية إن سماسرة من مدن جنوبية بعيدة ضبطوا في الحسيمة وهم يترقبون سيارة الملك في مسالك يضطر فيها الملك إلى تخفيف السرعة. وظهر أيضا ما يسمى بـ “ضحايا” الرسائل الملكية؛ أي أولئك الذين تمكنوا من تسليم رسائلهم للملك، لكن دون الحصول على المطلوب.

أطرف قصة سمعتها هي لأحد سائقي التاكسي في المدينة، فبينما كان هذا السائق يسترزق في إحدى الصباحات، فوجئ بسيارة الملك واقفة في انتظار أن تفرغ شاحنة واقفة أمامه حمولتها. نزل السائق المشدوه من سيارته وتوجه صوب الملك ليسلمه رسالة. فتح الملك نافذة سيارته بأدب فقال له السائق: “السلام عليكم أسي محمد”! ارتبك المسكين وعاد أدراجه ناسيا الملك والرسالة.

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments