محمد أمزيان: الجاني ليس مسلما

  • 0

مجزرة آلفن آن دي راين، من كان يتصورها؟ قتلى وجرحى في يوم مشمس هادئ هدوء المقابر. أحر التعازي لذوي الضحايا في قتلاهم، وأخلص التمنيات للجرحى بالشفاء العاجل. تناهى الخبر إلى مسامعي عرضا وأنا منهمك في إصلاح بعض الحاجات الضرورية في البيت. أحسست بدقات القلب تتضخم في صدري وأسرعت نحو جهاز التلفاز داعيا الله في سري ألا يكون الجاني مغربيا، مسلما، أجنبيا. كالممسوس فتحت صفحة ’التليتيكست‘ (خدمة الأخبار المقروءة) وداخلي يغلي من الخوف والقلق والرعب.

تصورت عناوين الصحف وافتتاحيات النشرات الإخبارية وجيش المحللين المختصين في التنظيمات الإسلامية وهم يتناوبون على مختلف وسائل الإعلام لتفسير ما جرى. رأيت أمامي خيرت فيلدرز يوضح أمام ميكرفونات العالم ’خطورة الإسلام‘ على أوربا والغرب، ويستهزئ بكل خصومه السياسيين وغير السياسيين الذين طالما شككوا في نظريته وقللوا من تحذيراته. وتخيلت نفسي أمشي في الشوارع مثقلا بالذنب، مجبرا على توضيح فعلة الفاعل، منددا بمن يقف وراء الفاعل، باحثا عن نائب الفاعل وكأنني مَن فكر وخطط ونفذ. هذه الأفكار وكثير غيرها مرت كشريط أمامي في سرعة الضوء. لماذا؟ لأنني – كمسلم -أصبحت في الغرب، وأمام الغرب مسئولا عن أفعال ’إخواني‘ المسلمين في كل مكان!

هذا الرعب الذي استوطنني منذ مدة قد لا يفهمه غير المسلم. صدقني، إنه رعب حقيقي. ورغم عقلانيتي الظاهرة ومحاولة تعاملي مع مثل هذه الأشياء ببرودة دم، إلا أن الوقائع على الأرض صادمة، تحرك حتى الخلايا الراكدة في قاعي. فلا غرابة إذا وجدتني – ومعي كل المغاربة والمسلمين والأجانب – أتنفس الصعداء حينما ظهر أن الجاني مواطن ’أصلي وأبيض‘. ولا بد من التأكيد هنا على أن السلطات المحلية ووسائل الإعلام، أسرعت إلى الكشف عن هوية القاتل، قاطعة بذلك الطريق أمام الإشاعة وتجار الخوف.

هل هذا يكفي ليذهب عني القلق؟ لا بطبيعة الحال. أنا لا أريد أن أعيش في مجتمع تعاد فيه رسم الحدود بين الأبيض والأسود، بين المسلم وغير المسلم، بين الأصلي والأجنبي. أريد أن أعيش في مجتمع تسمو فيه المواطنة على كل الاختلافات والتفاصيل التافهة.

ما يثير في هذه الحادثة الشنيعة، هو إحجام خيرت فيلدرز، زعيم الحزب من أجل الحرية، عن التعليق وهو الذي يلتقط كل تفاهة ذات علاقة بالأجانب والمسلمين للمتاجرة فيها، كسبا للأصوات واستدراجا لعواطف الهولنديين ’الأصليين‘. من يتصفح موقعه الشخصي أو موقع حزبه، لا يرى أثرا لمجزرة آلفن آن دي راين ولا كلمة عزاء للضحايا. ولكن هذا ما نراه على موقعه: “الشريعة في هولندا”، “تهديد إسلامي ضد فيلدرز” وما إلى ذلك من موضوعات غالبيتها العظمى مرتبطة بالهجرة والإسلام.

والآن، لماذا لا يقف خيرت فيلدرز أمام الكاميرات ويشرح لنا لماذا ارتكب هذا الشاب المدعو تريستا فان دير فليس (25 سنة) جريمته البشعة؟ من وشوش له وأوحى له؟ من غسل له دماغه، خاصة وأن الجاني صوت لصالح حزبه في الانتخابات الأخيرة، بحسب ما أوردته صحيفة إن. إر. سي. واسعة الانتشار، نقلا عن أحد جيران الجاني. هذا الجار أكد للصحيفة المذكورة أن تريستا كان قد ضاق ذرعا بالأجانب.

ما جرى في القرية الهادئة آلفن آن دي راين (وسط) يوم السبت 9 أبريل، صدم المجتمع الهولندي بكل فئاته. أن يقوم مجنون، مختل عقلي، إرهابي أو أيا كان بقتل أبرياء لا ذنب لهم سوى تواجدهم في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، فهذا ما لا يقبله عقل ولا يستسيغه منطق. كل الشعب الهولندي تتبع المأساة في ذهول، والكل متعلق بالرجاء أن يكون هذا الحادث معزولا ومنفردا، وألا تنتقل هذه العدوى من بلدان أخرى عرفت حوادث مشابهة.

من جهتي، ينتابني شعور غريب: أن أصرخ عاليا وأمام الملأ: ’أرأيتم، لم أكن أنا الجاني‘! لكنني أعود إلى هدوئي المعتاد ويذهب تفكيري إلى الضحايا وعائلاتهم.

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments