محمد أمزيان: السفر بالقطار… أزمنة متجددة

  • 0

كما لا يمكن للمرء أن يستحم في النهر مرتين، لا يمكنه كذلك أن يسافر في القطار مرتين. فالحياة فيهما تتجدد باستمرار. تقريبا، أستخدم القطار كل يوم منذ بدئي بعملي الحالي. أعيد استكشاف الحياة فيه مجددا بعد أن ابتعدت عنه لما يربو عن عقد ونصف؛ منذ كنت أتابع دراستي في جامعة ليدن، وأجري بحثا في مركز الأرشيف الوطني في لاهاي.

تغير الوقت كثيرا، كما تغير المسافرون. أصبحوا الآن رقميين بعدما كانوا ورقيين. ترى شباب اليوم ’يقتل‘ وقته في القطار بالانهماك على أجهزة الكمبيوتر الصغيرة والدقيقة. يلعبون، يقرأون، يهيئون دروسهم، يشاهدون أفلاما أو ألبومات صور. في زمن يبدو الآن وكأنه غير زماننا قبل عقدين، لم يكن للجوال مكان في القطار. أما الآن فالجوال تحول إلى حيوان أليف أو حلية للزينة. لا تنقطع المكالمات رغم الملصقات التحذيرية. يبدو أن الإنسان ’الرقمي‘ أدمن التقنية الحديثة ولن تفطمه عنها التحذيرات ولا حتى الغرامات.

القطار أيضا رواية تتجدد أحداثها وفصولها كل يوم. أبطالها حقيقيون من لحم ودم. يضحكون، يأكلون، يشربون، يغمزون ويتغامزون. مراهقتان تتحدثان أمامي:

الأولى: أمي مطلقة، والحقيقة هي الآن سعيدة بصديقها الجديد!

الثانية: وأنا كذلك أمي مطلقة.. أشفق على أمي كثيرا لأنها لا تخرج من البيت. هي وحيدة ولا مؤنس لها سواي. تمنيت لو أنها عثرت على صديق، كما فعل والدي، فهو يعيش الآن مع صديقته الجديدة التي تحبني كابنتها. مسكينة أمي!

استمر الحديث بين المراهقتين طول مسافة ليست بالقصيرة، تتخلله استراحات ضحك بلا مبالاة. لا أتخيل مثل هذا الحديث في أي قطار عربي مهما كان. فالطلاق عار ما بعده عار، كما أنه شأن خاص بالكبار؛ كبار السن طبعا بمعنى العقلاء. كيف يحق لمراهقين أن يتحدثوا في الطلاق؟ ثم إن الأم المطلقة في المجتمعات العربية والإسلامية إذا ما ضبطت تتكلم مع رجل حتى أمام بائع الكشري (يعني مكان عام)، فمعنى ذلك الفضيحة للأسرة والعشيرة والقبيلة وما بعد القبيلة.

ما يعجبني في ركوب القطار أيضا: مفاجآت الرحلة؛ مثل ذلك الذي ادعى قبل بضعة شهور حيازته قنبلة على وشك الانفجار، فتوقفت حركة القطارات قرابة نهار كامل

صورة أخرى: شابة في مقتبل العمر حاملة إكليلا من الزهور. قلت مع نفسي ستفاجئ بهذا الإكليل صديقها هذه الليلة. ما أسعده! وما أحلى أن ينتظر المرء زهرة يانعة في زمن مقحط. كنت مخطئا. أخرجت الشابة اليانعة هاتفها الجوال، وفي رمشة عين كان صديقها أو عشيقها أو حبيبها، على الجانب الآخر من الخط. أقول الخط تجاوزا لأنني لا أعرف تعبيرا آخر. بدآ في الحديث، ولم أمنع أذناي من متابعة الحوار:

هي: لدي باقة ورد ستعجبك بالتأكيد. جميلة جدا. انتظرني، سأصل في الوقت المعلوم لأن القطار غادر المحطة في الموعد.

هو: ……

هي: لا! باقة كاملة وليس زهرة واحدة .. كلفتني 7 يورو 75 سنتا!

هو: …..

هي: هيه! تعشيت قبل أن آخذ القطار.. ولدي ما يكفي لنواصل السهر. أخبرت والدتي أنني سأتأخر.

قلت مع نفسي ضاعت المفاجأة على المسكين! على أية حال لن تكلفه السهرة أي شيء. فصديقته تعشت، ولديها مصاريف مشروبها الليلي أيضا. تخيل لو كان الذي ينتظرها قادم من قعر صحراء الشرق. لكان أغدق عليها بالأكل حتى الغرق، ولمنعها من دفع أي فلس ولو أدى ذلك إلى إفلاسه هو. إنها مسألة الكرامة. يستحيل أن توضع كرامة الإنسان في الميزان!

ملاحظة: تتكاثر باقات الزهور في القطار عشية الجمعة وبداية نهاية الأسبوع. أيام الاثنين تتعبس الوجوه وتتكهرب الأجساد حتى للتخيل أن مسا كهربائيا أصابها. شخصيا أتجنب الحديث في القطار أيام الاثنين، وأفضل الانغماس في الجرائد المجانية التي أتزود بها من المحطة.

وبمناسبة الحديث عن القراءة، أتعجب – كوني أتيت من بيئة لا يبيع فيها الشعراء أكثر من بضع دواوين والباقي يوزعونه على الأصدقاء أو يعاد تدويره في محلات بيع الحلوى – أتعجب من بعض القراء في القطارات الهولندية. يحملون كتبا أضخم من كل الأناجيل والكتب المقدسة. وأتساءل مع نفسي: كيف يقتحم هؤلاء هذه الكتل الضخمة من الورق؟ جربت مرات أن أقتحم بدوري كتبا ذوات أحجام، لكنني حينما أصل إلى خاتمتها بعد أشهر، أنسى بدايتها ولا أتذكر حتى أسماء من كتبها. أحيانا أحط علامة في بداية الكتاب وفي آخره حتى أقول لنفسي: لقد مررت من هنا.

ما يعجبني في ركوب القطار أيضا: مفاجآت الرحلة؛ مثل ذلك الذي ادعى قبل بضعة شهور حيازته قنبلة على وشك الانفجار، فتوقفت حركة القطارات قرابة نهار كامل. أو كما حدث قبل بضعة أيام حينما شرع شخص سكران يصيح بصوت عال لكن لا يكاد يسمع، لأن ما أفرغه في جوفه من خمور عطل حباله الصوتية عن العمل. في محطة الوصول، تركت المخمور بين يدي الشرطة، وواصلت السير نحو البيت. كان الوقت ليلا والجو ماطرا. في الصباح الباكر موعد آخر مع قطار آخر وراكب آخر وقصة أخرى.

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments