محمد أمزيان: كلام في السياسة

  • 0

 كل المغاربة يتكلمون في السياسة. يُنظّرون، يحللون، يقترحون، ينتقدون، يشتمون، يشككون، يخوّنون. المغاربة أيضا لا يرحمون سياسييهم مهما فعلوا فيحاسبونهم حتى على النوايا.

المغاربة كذلك يعانون من حساسية مفرطة تجاه صناديق الاقتراع، لا يقتربون منها وكأنهم يخشون أن تعديهم بداء الجرب، وهم في الوقت نفسه من أكثر فصائل البشر استخداما للسياسة في كل أمور حياتهم: “سايس المقدم باش ما يشكم عليك”. “سايس ولدك باش يمشي يتسخر ليك”. “سايسي راجلك باش ما يتزوج عليك”. “سايس حماتك باش ما تسحر ليك”. “سايس المرا باش تطيع ليك”. “سايس الواد باش ما يديك” …..

السياسة تثير فينا نحن معشر المغاربة شهوة النقاش بلا ضجر. الدين كذلك من الفضاءات المفتوحة التي يحسن المغاربة الخوض في تضاريسها المجعدة. بيد أننا في هذه المناسبة سنترك الدين جانبا ونقصر الحديث عن علاقة المغاربة بالسياسة. السياسة كما كرة القدم، الكل يفهم فيها والكل له وجهة نظر فيها. فكما يوجد 35 مليون مدرب للفريق الوطني المغربي – ولو أن خيرتس طلع أشطر من الجميع بتقاضيه مئات الآلاف من اليورهات الصعبة شهريا بهدف تصفية جميع المغاربة بـ ’الفقصة‘ بدل تصفية المنتخبات المنافسة – يوجد كذلك 35 مليون محلل سياسي مغربي لهم كلهم رأي وموقف ووجهة نظر في طريقة تدبير الشأن العام.

“السياسة تثير فينا نحن معشر المغاربة شهوة النقاش بلا ضجر”

ربما يدل هذا الاهتمام الزائد بالسياسة عن “وعي” مرتفع لدى المغاربة بشأن أمورهم السياسية وأن “الدبانة ما تزهق” معهم ما دامت السياسة شأنا عاما. إلا أن أجهر الأصوات تأتي ممن تعود ألا يشارك في العملية السياسية لا ترشيحا ولا تصويتا ولا حتى توزيعا للمناشير، بدعوى أن صوته لن يؤثر في الميزان. وما يميز هذا الصنف من المغاربة كذلك أنهم ينظرون إلى الأشياء بمنطق الأبيض والأسود، وما بينهما برزخان لا يبغيان!

هناك من سيجيب بأن الذين لا يشاركون في السياسة إنما يفعلون ذلك ليقينهم من فساد العملية برمتها، أو أن مشاركتهم ستضفي “المصداقية” على نظام يتقن أساليب المراوغة والالتفاف ومحاولات الاحتواء. أليست السياسة فن المراوغة والالتفاف والاحتواء وأخذ ورد، وما إلى ذلك من أساليب وفنون يمارسها السياسيون لتؤول أمور إدارة البلد في النهاية لأيديهم/ لحزبهم، حتى تأتي دورة الحساب عبر صناديق الاقتراع؟ أم أن السياسة حديث مقاهي وتسلية ليس إلا؟ إذا كانت مشاركة هؤلاء في العملية السياسية تقتضي أولا تغيير النظام، فليكونوا صرحاء مع النفس ويفكروا في طريقة جدية لتغيير النظام. أما الانزواء في ركن قصي فلا يخدم لا التغيير في البلد ولا مجرد التفكير في أسباب التغيير.

تبرر المعارضة في المغرب سبب تراجعها خلال الانتخابات الأخيرة بكون الناخبين الإسلاميين يدلون بأصواتهم لصالح مرشحيهم الإسلاميين بغض النظر عن البرامج السياسية. ألم يكن من الأجدى لهؤلاء أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال البسيط: لماذا يعزف (من العزوف) عنا أتباعنا؟ ولماذا نفشل كل مرة في امتحان الإقناع؟

و … كما يلاحظ القارئ الكريم، ها أنا أيضا أصبحت من “المحللين السياسيين” مع أنني لم أصوت ولم أشارك ولم أطلع على برنامج أي حزب سياسي. أريد فقط أن أصل بهذا الكلام إلى نقطة واحدة مفادها أن الإدلاء بالرأي السياسي في وقت الفراغ سيبقى مجرد رأي عائم، أما إذا قورن القول بالفعل وبالإحساس بالمسئولية، فلربما تتحلحل الأمور في بلادنا كذلك.

*المصدر: إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments