محمد أمزيان: غول “التحرير” يبتلع القاهرة

  • 0

من تحط به الطائرة في مطار القاهرة، ينتابه شعور بأنه دخل عبق التاريخ من تحت شواهده. “نحن بناة الأهرام وأبو الهول يشهد” هذا ما يقوله المصريون لكل زائر يبدو في شكله أنه ’غريب‘. لكن الطريق إلى قلب القاهرة يكشف عن وجهها الحقيقي بعيدا عن الرومانسية المنقوشة في مخيال العابرين أمثالي. “والله تعبنا والحياة صارت صعبة”، يردد من تحدثت إليهم.

قبل أكثر من 20 عاما زرت القاهرة لأول مرة، جلت في حاراتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وركبت حافلاتها العمومية. استغربت حينها من اقتسام السائقين لمقاعدهم مع الركاب، واستغربت أكثر لتسلق الركاب وتشبثهم بكل ما يمكن التشبث به للحصول على ’مكان‘ في الحافلة. عشرون سنة مرت والمنظر هو هو لم يتغير؛ نفس الحافلات، نفس الركاب، نفس الوجوه ونفس الزحمة. فهل توقف الزمن في قاهرة الألف مئذنة التي صارت قاهرة الألف “كوبري”؟

’الكباري‘ طبقات تعلوها طبقات لتقتحم على الناس مخادع نومهم دون استئذان حتى ولو كانوا في أبراج عالية. وتذمر سائقي التاكسي الذين ينتزعون قوت يومهم من الغابات الإسمنتية يضيع وسط الكلاكس. ’فوفوتزيلا‘ أزلية في القاهرة حتى قبل إعادة اكتشاف هذا الضجيج الجماعي في جنوب إفريقيا على هامش تنظيم كأس العالم. “الكلاكس لغة اخترعناها هنا لتقينا من مشاكل عدة”، يقول لي أحد سائقي التاكسي. تملكني الفضول وسألت بدوري سائق السفارة الهولندية الذي رافقنا في إحدى الرحلات. “نعم! الكلاكس لغة نتخاطب بها، بل نعبر بها حتى عن أحاسيسنا مثل الحب”، قال لي مبتسما ومستغربا من سؤالي. حسبتها مزحة لولا تأكيد محدثي الذي راح يعطيني درسا في الكلاكس.

من رحم الزحمة تخرج آهات تعبر عن عمق معاناة المواطن المصري مع متطلبات الحياة اليومية. “شوف حضرتك، أنا موظف وفي آخر الدوام أعمل سواق تاكسي”. سمعت من كثيرين كيف يحرقون أعصابهم لتدبير قوتهم اليومي. أحدهم قال لي: “تمنيت لو عثرت على قطعة أثرية أبيعها لسائح أوربي وأرتاح”. “ولكن هذا مخالف للقانون” أجبته مسرعا. “قانون إيه .. أنت باين عليك مش من هنا؟”

الإدارة وقضاء المصالح جحيم آخر يلسع المواطن المصري يوميا بشواظ من بيروقراطية متآكلة، فظة، لا ترحم. ولعل “المجمع” هو خير من يجسدها. يقبع مبنى المجمع في ميدان التحرير ويبدو لرائيه من بعيد مثل غول متربص. مبنى طويل وعريض يبتلع الداخلين إليه بلا شفقة. وأنت في الداخل تصادفك ممرات متفرعة يمينا ويسارا، وعلى جانبي الممرات غرف تحوي مكاتب. أمام المكاتب موظفون وملفات متراكمة كأحجار جبل المقطم. سمعت أن كل مصالح البلد مجمعة في هذا المجمع، وسمعت أيضا من أحد المواطنين أن الختم على ورقة واحدة على سبيل المثال تحتاج لزيارات متكررة للمجمع وكأنك تزور هيكلا أو معبدا. وحدها “الواسطة” تجعل الغول رحيما.

ومع كل المتاعب، ما يزال في القاهرة متسع من الوقت للحديث عن مباراة مصر والجزائر في السودان لتصفيات كأس العالم، ومباراة الثأر خلال الكأس الإفريقية.

“شكلك جاسوس للجزائر” قال لي أحد حراس الفندق بعدما أقسمت له أنني مغربي.

*إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments