محمد أمزيان: تحب أن تولد في الصيف أم في الشتاء؟

  • 0

- “في أي فصل تحب أن تولد فيه “

- “عفوا!”

- “تحب أن تولد في الصيف أم في الشتاء؟”

- “في الصيف طبعا! ولكن لماذا؟”

كان هذا جزء من ’حوار‘ دار بيني وبين موظفة في مطار “لندن سيتي” نهاية الأسبوع الماضي. وقفت أمامها لتتصفح تذكرة رجوعي إلى أمستردام وجواز سفري. كنت الأخير في الصف. مررتْ جواز سفري على “ماسح” آلي، فرفض أن يقرأ البيانات. أخرجت الجواز وأعادته مرة أخرى، إلا أن “الماسح” أبى. ولما غرزت عيناها على البيانات المثبتة على جواز سفري، ظهرت أمارات التعجب على جبهتها نتوءا بارزة، ودمدمت تخاطب نفسها: “شيء لا يصدق! لا يوم الميلاد ولا الشهر! والتفتت نحوي:

- “إكسكيوز مي…”

وقبل أن تقصفني بسهام تعجبها بادرتها:

- “آي نو إت”

- “واي؟!”

كيف أشرح لهذه السيدة الحائرة، ومن أين أبدأ؟ ماذا عساي أن أقول لها وزادي من اللغة الإنجليزية قد يغني من بعض الجوع، ولكنه لا يسمن في مثل هذه المواقف.

 – “لوك”، قلت لها مستحضرا كل ما خزنته ذاكرتي من كلمات إنجليزية تعلمتها على يد معلم فرنسي منذ أكثر من 30 سنة. “في أوراقي الرسمية لا يوجد أثر لتاريخ ميلادي سوى السنة. إنه خطأ إداري” (أدمنيسترايشن ميستيك).

- “ادمنيسترايشن ميستيك! طيب سأبلغ رئيسي وإدارة الهجرة”

لعنت في سري قصوري اللغوي واصطنعت ابتسامة.

- “مصلحة الهجرة في بريطانيا العظمى (أصبحت عظمى رغما عني) أم في هولندا؟”

- “لا! هنا طبعا”.

- “نو بروبلم” أجبتها وفي داخلي إحساس بالمهانة.

“التفت إلى الموظفة، وحاولت أنا أن أتتبع ما يدور بينهما. فالمصير في النهاية يبقى مصيري أنا”

وأنا أنتظر، تذكرت أنني أحمل معي بعض الوثائق الشخصية. أخرجتها لأوضح للسيدة الحائرة أمامي أن مشكلتي مع تاريخ ميلادي مشكلة أزلية. فحسب بعض الوثائق أنا مولود في فاتح يولو، وحسب أخرى ولدت في فاتح يناير. أخذت مني بعض وثائقي وراحت تقلبها بين كفيها. زادت حيرتها.

-“لم أر في حياتي مثل هذا!”

فكرت. هل هي فعلا لم تر في حياتها حالة مثل حالتي، والحال أن بريطانيا أصبحت، بامتياز، بلد الهجرة والمهاجرين من كل الآفاق؟ أم أنها تتصنع التعجب زيادة في إرباكي لعلني أعترف. ولكن أعترف بماذا؟ أعترف مثلا أن حذائي تهالك بفعل تأثير المتفجرات التي في داخله. أو أن محفظتي التي اشتريتها خصيصا لهذه الرحلة مصنوعة من مادة مخدرة. أو ربما أعترف لها بأنني مهرب عملة صعبة، أو أي شيء آخر حتى ترتاح وتريحني.

 “سيدتي، أنا أصلي من المغرب، وحينما ولدت، في ظروف غامضة، قيدوني في سجل الحياة دون ذكر اليوم والشهر. نسي الموظف اللئيم ذلك أو اعتبره غير مهم. بل أكثر من ذلك أنقص من عمري الحقيقي ثلاث سنوات. إذن عمري الافتراضي هو ما ترينه في جواز سفري، ولكن عمري الحقيقي علمه عند علام الغيوب”.

هذا ما قلته للسيدة الحائرة في خيالي، بينما هي تواصل الاتصال بإدارة الهجرة. من حسن الحظ أن موعد إقلاع الطائرة تأخر.

وصل شخص وقف بجانبي خلته أول مرة مسافرا مثلي إلى أمستردام. كدت أحادثه باللغة الهولندية لأتنفس، ولكنه مد يده نحو الموظفة وأخذ جواز سفري. تأمله: يوم الميلاد: xx. الشهر: xx.

-“من أي بلد عربي أنت؟”

سألني بلغة يعصرها بين أسنانه كمن يعض بنواجذه على الليمون الحامض. لم أفهم. أعاد السؤال ببطء شديد.

- “من المغرب”، أجبته.

التفت إلى الموظفة، وحاولت أنا أن أتتبع ما يدور بينهما. فالمصير في النهاية يبقى مصيري أنا. فهمت من شظايا الكلام أن مصلحة الهجرة متعودة على مثل حالتي. أرجع الجواز للموظفة وانصرف. التفتت السيدة (التي كانت حائرة) نحوي تعلو وجهها سحنة اعتذارية:

- “في أي وقت تحب أن تولد فيه؟”

لو كانت لي حقا حرية الاختيار، لاخترت بالتأكيد زمنا لا يشبه هذا الزمن.

*المصدر : إذاعة هولندا العالمية

Comments

comments