محمد أمزيان: حجاب العري

  • 0

في البداية لم ألتفت للمحجبات اللائي نزلن من المجهول، وعلى حين غرة ليؤثثن فضاءات قناة (2M)، حينما كانت هذه المحطة منهمكة في تقديم نتائج الانتخابات البرلمانية ليلة الجمعة 25 نوفمبر. إلا أن زملاء في المهنة “تفطنوا” لهذا الانقلاب المفاجئ لهذه القناة التي لم تخف في وقت من الأوقات معارضتها، بل مقاومتها لغطاء الرأس في المؤسسة؛ رأس الأنثى بطبيعة الحال. قد نفاجأ في مقبل الأيام بلحى تغزو وجوها “ملطاء” ألفناها تطل علينا صباح مساء. من يدري!

تذكرُنا هذه ’الحادثة‘ بالتحول الذي طرأ على القنوات التونسية، الرسمية وغير الرسمية، بعد الثورة. فبعدما كانت لا تكل ولا تمل من رفع مقام الرئيس بنعلي وعائلته وعتبات بيته إلى درجات التبجيل والتقديس، صارت تشيطن كل لحظة من لحظات حكمه. والعجيب أن نفس الأشخاص ونفس الوجوه التي كانت ترفع آيات التبجيل بالأمس، أصبحت بلا خجل تشيطن الشخص ذاته ونظامه وأجهزته وحياته وفصيلته. قس على ذلك ما جرى في مصر قبل وبعد مبارك. وهنا في الحقيقة يكمن جوهر المأساة: مأساة الإعلام في بلداننا التي يصر مسؤولوها على “بهدلة” وإهانة كل ما له صلة بالإعلام الحر والمستقل.

هذا النوع من “الغزل” البذيء للقناة تجاه حزب العدالة والتنمية، يكشف بما لا يدع المجال للشك تذبذبا في طريقة تسيير القناة

قد تكون الصحافيتان في القناة المغربية الثانية تحجبتا فعلا عن قناعة، ولا ضير في ذلك، وأنهما كتمتا “معتقدهما” على مضض. بيد أن ظهورهما المفاجئ بغطاء محتشم للرأس، يظهر فعلا أي منزلق وضعت القناة “الليبرالية” نفسها فيه. لنفترض جدلا أن الانتخابات القادمة “الحرة” ستأتي بحزب/حركة “مالي” للحكم، فهل سنرى مراسلة/مراسل القناة يشعل سيجارته المفضلة في عز الظهر وهو ينقل مشهد “إفطار” جماعي ينظم في ساحة مسجد الحسن الثاني؟

هذا النوع من “الغزل” البذيء للقناة تجاه حزب العدالة والتنمية، يكشف بما لا يدع المجال للشك تذبذبا في طريقة تسيير القناة التي كان يتوجب عليها الالتزام بميثاق شرف مهني يبعدها عن التجاذبات السياسية، ويعزز رسالتها الإعلامية الصرفة. لقد أخطأت القناة حينما فرضت “حجرا صحيا” على قيادات حزب العدالة والتنمية، وهي تخطئ الآن عندما شرعت في مغازلته بقطعة قماش بخسة تعري أكثر مما تغطي.

ولعل هذه الحادثة أن تدفع بإعلاميي القناة المذكورة والقنوات المغربية الأخرى ذات الصفة العمومية، رجالا ونساء، إلى إسماع صوتهم؛ صوت الإعلام المهني فقط لا غير. وفي الوقت نفسه تدفع إدارة القناة إلى التفكير في صياغة سياسة إعلامية مهنية ومحايدة، لا تخدم أجندة المنتصرين ولا تعليمات المتنفذين.

يبدو من خطوة 2M أن القيمين على هذه القناة “بيجيديون” أكثر من البيجيدي. فقد سبق للسيد بنكيران، الوزير الأول الآن، أن كرر على مسامع من يريد أن يسمع أنه لن يتدخل في خصوصيات الناس، ولو أنه تحمس شيئا ما حينما أشار في إحدى اللقاءات الجماهيرية المختلطة، أنه لن “يهبط” (ينزل) أبدا سروال أية فتاة!! طبعا عاد بعد ذلك ووضع النقطة على الحرف المناسب، لكن الرجل كان واضحا في مقصده: لن يتغير شيء في المغرب. وعلى هذا الاعتبار، فإن ما أقدمت القناة الثانية على فعله ليس في محله بتاتا.

قد لا تنطلي الخدعة على السيد بنكيران، إلا أن عليه وبدءا من يوم تعيينه رئيسا لحكومة يفترض أنها تتصرف باسم المغاربة، ألا يتصرف بعقلية المنتقم في حارة سائبة. وعليه كذلك كرئيس للحكومة أن ينظر بجد وجدية لوضعية الإعلام المغربي المزرية ولوضعية ’قبيلة‘ الإعلاميين التي فقدت جل أبنائها الأكفاء، إما في السجون والمتابعات القضائية، أو تشتتوا على بقاع الأرض بما فيها الربع الذي كان إلى وقت قصير خاليا في الخليج. هذا هو الجواب الذي ينبغي لرئيس الوزراء الجديد تقديمه لحل مأزق الإعلام الوطني في المغرب.

ينطبق هذا أيضا على وضع الصحافة المستقلة في المغرب. فهذا الصنف من الإعلام المغربي يتعرض يوميا لحرب إبادة بسلاح كاتم للأنفاس؛ سلاح تجفيف منابع الحياة. الجميع يعرف أن حياة أية وسيلة إعلامية مستقلة مهما كانت، لن تدوم بدون ’شريان‘ المعلنين. غير أن هذا الشريان معرض في كل لحظة لمقص طويل وعريض تتحكم فيه أيد مجهولة، آن الأوان للوزير الأول الجديد أن يوقف عبثها في مصائر الناس.

*المصدر : إذاعة هولندا العربية

Comments

comments