وليد خليفة*: الثقافة السورية أو شروط المحبة

  • 0
وليد خليفة كاتب وناشط كوردي سوري

وليد خليفة
كاتب وناشط كوردي سوري

من محن الثقافة السورية أنها استوطنت في الخنادق منذ أكثر من خمسة عقود، ففي الوقت الذي شهد العالم زخم ثقافي عقب الحرب العالمية الثانية كمحاولة للإنسان في استعادة دوره الذي أفقدته الحرب والحرب الباردة فيما بعد بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، كان نصيب الثقافة السورية التخندق في أمكنة ضيقة لتحارب بالنيابة عن تكتلات إيديولوجية خارجة من عباءة أزمنة مضت أو جغرافيات بعيدة، لم تنفع مع منتجي هذه الثقافة ومكوناتها كل محاولات التأثير القادمة سواء عبر جيران مباشرين كاللبناني أو عبر وسائط قادمة من مراكز المتروبول الذي طالما شدت عيون السوريين ” نخبة وعامة ” إليها .

حين كانت عواصم العالم من بيروت إلى باريس وبيونيس آيريس ومونتفيديو وريوديجانيرو ونيويورك ودكار و…تضج بحوارات الفكر والموسيقا والمسرح والشعر والسينما، كان المثقف السوري يتمرن على كيفية تصدر حوانيت الإيديولوجية المنتعشة في مكانه، لم تلفته أبدا كل ما يحصل خارج جدار الواحدية الأبدية والأرضية المتجسدة في شخص ” القائد ” سواء أكان هذا القائد زعيما أو رئيسا أو إمام جامع أو مثقفا بدرجة مسئول حزبي، هكذا حاز ميشيل عفلق وأكرم حوراني على لقب المفكر، ومن العباءة ذاتها خرجت أسماء كثيرة .

غدا من لوازم الكتابة عن وفي الثقافة السورية تخندقا احترازيا واضطراريا لرؤيتها وعدم الإصابة بشظاياها، وهذه إحدى الشواهد البدئية على توحش النتاج الثقافي وبدائيته غير الطازجة، فالثقافة البدائية طازجة وأرض بكر، بينما الثقافة السورية فهي بدائية بمعناها التوحشي، فمن جهة لم يلفتها في ثقافات الآخر إلا ما يناسب سعيها المحموم لخنادق إيديولوجية منتصرة حربيا ومن جهة أخرى لا تنتج هذه الثقافة أبعد من إعادة صياغة الماضي وترتيبه وفق آلية تحديث المقابر وإعادة هندسة الجثث في مواقعها، وأصبح معها لمصطلحات الرصد والاصطفاف والتناص والتقسيم والمؤامرة والحسم مكانا أكبر من مكانة الإبداع وأصبح معها أيضا ضرورة الحصول على شهادة براءة أدبية من الكيانات المتصدرة  للخنادق أحد أهم مستلزمات المشاركة في النتاج الثقافي سواء جمهورا متفاعلا أو منتجا .

يستطيع المتتبع لتاريخ الثقافة السورية ذكر أسماء كثيرة تشكل داخل سياق هذه الثقافة علامات فارقة ولكننا وبخروجنا من المقاييس السورية التي لم تخرج من الخنادق سنجد درجة هشاشة المقاييس التي أقامت تلك الثقافة هويتها .

لم يخرج المثقف السوري من قفة الخندق الإيديولوجي إلا ليتلقفه خندق محاذي يحمل العداوة لسابقه ولعل السيرة الفكرية لبعض رموز الثقافة في سوريا، أدونيس والماغوط وسليم بركات، توضح لنا الكثير من تلك الخنادق المتحاربة في الزمن السوري الواقف على عتبة الإيديولوجية .

لا يتوقف أدونيس عن تذكيرنا بأنه مر على مقاعد الحزب القومي الاجتماعي السوري كعتبة أولى له إلى زواريب الثقافة، وفي الوقت الذي يعلن لنا براءته من الإيديولوجية والخنادق والزمن الواقف ينسى إزالة آثار بيض العائلة عن شعره، فكل تاريخه الحقيقي منه والمخترع لا يخرج من إطار كونه ابن العائلة النجيب التي ” إن غوت ” غوى ، و” أن ترشد ” يرشد ، فقبل كل ما جرى ويجري في سوريا الآن، كان أدونيس حارس العائلة الأمين، من تثبيته للمنافس الخصم، محمد الماغوط، بأنه من قدمه إلى جماعة شعر بمقارنة بهلوانية بينه وبين الفرنسي رامبو، إلى فك ارتباطه بالعائلة الحزبية وانتقاله إلى خندق العائلة الطائفية بعد فتح الطريق أمامها،  كمعادل طائفي عن ممثل الطائفة الأخرى، نزار قباني، فيما يتم تهميش الماغوط ليتسلى برومانسياته التي ستلملم شارع الرومانسيين المرعوبين في الصفوف الخلفية لخنادق المتصارعين، يستعيدون رومانسيته الباحثة عن خندق لم يوجد، فيما تمضي الثقافة صوب وهم قدري يسعفه الحظ للاطمئنان في يوم من الأيام، فيتم تغييب نزار حتى يُختصر إلى بعض نساء وبارفانات وأسرة حمراء ونقمة على هزائم عسكرية، لم تكن في يوم من الأيام في حسابات الثقافة في جغرافية قلقة كسوريا .

تفرز الخنادق الأخرى أسماءها فيأتي سليم بركات من خندق الشمال الكردي المعرض للردم منذ نشأة الكيان السوري، يسعى الجميع للمشاركة في الردم، فترمي العروبة شباكها عبر خندق الفلسطيني، وجع الجميع وبوابة الإعلان، لم تكن صدفة أن يكون أشجع المشاركين في وليمة ردم الكردي المزنر بالعروبة والمتخندق في كرديته هو صاحب الصرخة الأقوى في كهوف تحديث العظام وهي رميم، عودة الأجداد مستبدلين الإبل بسيارات حديثة والخيمة بفيلات والنخيل بوردة والدشداشة بطقم بيار كاردان .

الثقافة السورية وحتى تاريخه لا تستطيع النظر إلى نفسها في المرايا، دليلنا في ذلك ما يجري اليوم من حملات شد الشعر والندب والتخوين بين المثقفين السوريين مع الثورة التي فاجأتهم على حين غيبوبة كانوا في غياهبها، وإن فشلت محاولات إدخال الاختراع إلى كهوفها وخنادقها بمقاومة حراس الهيكل، تكسرت المرايا وأُسِر من حاول،  وإلى أن يأتي الزمن الذي تستطيع هذه الثقافة النظر إلى نفسها كخطوة أولى لمعرفة موقعها لا بد للواقفين في شوك الانتظار أن يقولوا، وبداية المشوار قول.

*كاتب سوري مقيم في فرنسا

Comments

comments