ملاحظات في الثورة السورية

  • 0

وليد خليفة*- تأخذ الكثير من الكتابات حول سوريا الآن وما يجري فيها وما يحمل لها المستقبل القريب والبعيد بعد واحدا من التفكير، في نفس منطقة الوعي التي كان الأسد الأب وفيما بعد الابن ينظران من خلالها ويتعاملان مع سوريا دولةً وإنسانا، ربما يتشابه كثيرا أيضا مع زاوية نظر معمر القذافي إلى ليبيته وصدام إلى عراقه، فقد تعامل كلا من الأسدين والقذافي وصدام مع السلطة والإنسان في بلادهم على أنها كتل صمّاء لا يمكن أن تؤثر أو تتأثر، بالطريقة نفسها تأخذ بعض المعارضة جانب التدخل الخارجي والممرات الإنسانية وتسليح الجيش الحر فيما تأخذ بعضها الآخر الطرف النقيض وكأن السوريين ليسوا إلا كتلة صماء تنتظر شعارات تملى عليهم بدون الالتفات لتعب الحسابات وتفسير تبني هذه الشعارات ومخاطرها بوضوح لا بلغة الألغاز والمجاز والعواطف.

يقوم خطاب النظام في سوريا على تفصيل شعب على مقاسه وحسب متطلباته، قبل وأثناء الثورة، فيما لا يبتعد خطاب غالبية النخب المعارضة على علة النظام في تفصيل الشعب على المقاسات والأهواء، بين هذا وذاك ما زال الشعب السوري هو الوحيد الذي يدفع ثمن عدم ملاءمة مواصفاته الفيزيولوجية والنفسية مع متطلبات زعماء الحرب التي تجري به وعليه وعلى أرضه.

لم يكن للسلاح وظيفة في يوم من الأيام إلا وظيفة واحدة وهي القتل، قتل الناس أو العصافير وفي النادر الحيوانات، الناس هم مجموعة من الأفراد بغض النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم، بالتالي فإن وهم حماية الناس بقوة السلاح هو مظهر خادع يغطي على وظيفة السلاح البديهية، أفضل الأسلحة هي تلك التي تملك قدرة أكبر على قتل الناس، والسلاح النوعي الذي يسعى “المفكر ” برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري لاقتنائه هو السلاح القادر على قتل أكبر عدد من السوريين، تماما مثلما فعل النظام من الأسد الأب إلى الأسد الابن وبالحجة نفسها “حرية الشعب في قوته ” = أسلحته النوعية !!!

لا تخفي الكتلة الأكبر من  معارضي الخارج  شعار طلب التدخل الخارجي وضروراته والإلحاح عليه كواجهة لهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تفسير صعوبة وربما استحالة هذا التدخل في الحالة السورية، لأسباب سورية أولا،  وثانيا لملفات محيطة ومرتبطة بسورية، وأخرى وهي الأهم، لأسباب تتعلق بالأطراف المنوط بها التدخل العسكري ومصالحها، بدءا من تركيا ومرورا بالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانية، كأن الغاية والحال من هذه الشعارات لا التدخل نفسه ولا الممرات الإنسانية بل الشعارات، البروباغندا لا الفعل ذاته، فيما يتخندق الطرف الآخر والرافض للتدخل الخارجي والممرات الإنسانية وتسليح الجيش الحر في ورطة الاقتراب من نظام بات الاقتراب منه مُحرّم اجتماعيا لبنيته المرتكزة أساسا على جرائم حرب ضد الإنسانية ، يرغم هذا الطرف نفسه في الدخول إلى معادلة الهجوم على طرف الآخر المنادي بتسليح المعارضة والتدخل الخارجي  بدلا من استثمار الوقت وتركيز الهجوم لخصمها التاريخي الذي هو النظام أولا وأخيرا .

لم يكن للسلاح وظيفة في يوم من الأيام إلا وظيفة واحدة وهي القتل، قتل الناس أو العصافير

الحرية التي يموت عشرات السوريين يوميا من أجلها تتعدد تفسيراتها داخل وخارج سوريا تتفق في حالة واحدة وهي حين يكون موضوعها حرية الشعب الكردي في سوريا ، فلا يمكن ذكر حرية هذا الشعب في تقرير مصيره وإلا يتحد الأخوة الأعداء في سوريا وفي صف واحد مع النظام الذي يواجههم بكل ما يملك من أسلحة الموت والدمار، أكثر العبارات تهذيبا في مواجهة طرح مسألة حق الكرد في تقرير مصيرهم تقول: إن الوقت ليس وقته وإن استثمار الكرد لهذه اللحظة التاريخية في طرح حقهم في تقرير مصيرهم خيانة للثورة، على اعتبار حرية الكردي جريمة بحق الشريك السوري المنادي أصلا بالحرية! الحرية السورية مجتزأة وفي نفق إيديولوجي لم ينته في يوم من الأيام، إنها اليوم أمام الامتحان الكردي ، أكثر الامتحانات تراجيدية في الشرق الأوسط وأكثرها تعبيرا عن جاهزية هذا الشرق لعصر جديد لا فرق فيه بين عربي وكردي في الحقوق والواجبات ومن أبسط تلك الحقوق حق تقرير المصير.

*كاتب سوري مقيم في فرنسا

Comments

comments