محمد أمزيان: ما بعد اللعبة .. وغياب الرغبة

  • 0

قبل أن أتوجه إلى المغرب لتغطية الانتخابات الجماعية، حللت ضيفا على الإذاعة الإسلامية في استديوهاتها في أمستردام. دار موضوع الحلقة حول الانتخابات المغربية، وحول مشاركة الحزب الجديد، حزب الأصالة والمعاصرة فيها. ختمت منشطة الحلقة البرنامج بسؤال واضح: من سيفوز في الانتخابات؟ جاء الجواب الأول من الأستاذ باولو دوماس، المتخصص في الشئون المغربية، والذي اعتبر أن التكهن صعب للغاية. ثم جاء دوري ثانيا، وقلت: حزب الملك سيفوز.

لم أكن في حاجة إلى من يقرأ لي فنجان الانتخابات، كي أتكهن بمن سيكون الفائز. كل الدلائل والمؤشرات كانت تؤدي إلى بوابة حزب الأصالة والمعاصرة. هذا الحزب الذي جاء – حسب مؤسسيه – “ليحرك” بركة السياسة المغربية الراكدة. جاء ليضع حدا لـ “بلقنة” المشهد السياسي المغربي، كما يحلو لقيادة الحزب الجديد أن تصف الحالة السياسية الراهنة في المغرب. لكن هل المغرب في حاجة لحزب جديد من أجل الحد من البلقنة؛ أي كثرة الأحزاب؟

وأنا في المغرب، اتصلت ببعض الزملاء الصحفيين الذين ينظرون إلى الانتخابات من زاوية أخرى بحكم تواجدهم قرب الحدث. قال لي أحدهم: هل تريد حضور “أمسية الانتخابات” في فندق حسان، أم لديك خطة أخرى؟ أجبته: أفكر في تغطية ميدانية لبعض الدوائر الشعبية للمعاينة. فقال زميل آخر يعمل في صحيفة مستقلة: إذن عليك بالتوجه إلى مدينة سلا. استحسنت الفكرة، خاصة أن الأستاذ باولو دوماس الذي جمعني وإياه لقاء إذاعي كما أشرت، سبق وأن “نصحني” بالتوجه إلى سلا. ميزة هذه المدينة الانتخابية أنها تضم جماعات فقيرة، وفيها يتصارع الإسلاميون ورموز الأحزاب التقليدية.

“لم أكن في حاجة إلى من يقرأ لي فنجان الانتخابات، كي أتكهن بمن سيكون الفائز. كل الدلائل والمؤشرات كانت تؤدي إلى بوابة حزب الأصالة والمعاصرة”

وبما أنني كنت على شبه يقين مسبق بأن النتائج محسومة سلفا، وأن خارطة الطريق الانتخابية رسمتها الدوائر المعلومة بدقة، ولم تترك للخطأ سوى أضيق الهوامش، فقد انشغلت في اليوم الأول – قبل الاقتراع – بالتعرف على آراء المواطنين؛ في الشارع، في التاكسي، في السوق وفي أي مكان تتاح لي فيه الفرصة للحديث مع الناس. لم أستغرب كثيرا من “يأس” المواطنين العاديين من العملية الانتخابية برمتها، ومن انعدام الثقة في المرشحين وفي الطبقة السياسية.

ولكن ما أثار انتباهي فعلا هي الأوصاف المستعملة في تعليل عدم اكتراثهم. “لمن أعطي صوتي”؟ “هل صوتي يفيد حقا”؟ “كلهم ’شفارة‘ (لصوص)”. “من لم يكن لصا أمامه ست سنوات للتعلم”، وما إلى ذلك من التوصيفات التي أفقدت المواطن كل أمل في التغيير. أحدهم قال لي: “الحقيقة أنني أتمنى للعملية الانتخابية أن تفسد وتنهار. عندئذ يفكر من له غيرة على الوطن أن يعيد البناء من جديد”.

خلال اليومين السابقين لتاريخ الاقتراع، اعتقدت أن “العزوف”؛ امتناع المواطنين عن الذهاب لصناديق الاقتراع، سيكون الفائز الأكبر في الانتخابات. والواقع أن أغلبية التعليقات الصحافية كانت تصب في الاتجاه نفسه، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية إلى تجنيد كل إمكانياتها، وتحريك شبكتها من الأعوان والمتعاملين لتحريك الناس نحو مقرات الاقتراع. وحينما أعلن وزير الداخلية شكيب بنموسى أن نسبة المشاركة على الصعيد الوطني فاقت الخمسين في المائة، استغرب الناس وقال بعضهم إن ساحرا قد سحر.

أعتقد أن “تضخيم” نسبة المشاركة ليست بالحجم المخيف، إذا علمنا أن البادية غطت على المدينة في الرفع منها. فقد أكدت النتائج التفصيلية أن البوادي صوتت بكثافة، عكس ما جرى في المدن والحواضر الكبرى. وهو ما يعني أن أساليب الانتخابات المستعملة منذ الستينات من القرن الماضي لم تتغير؛ إذ من السهولة بمكان التأثير على أهل البادية الذين تتحكم فيهم الأعراف القبلية، ولا يعيرون للبرامج أي اهتمام.

البرامج؟ حاولت قراءة بعض النماذج منها، ولكنني ضعت أمام جبال من الوعود التي لا تكفي عقود لتحقيقها، فقررت عدم الالتفات إليها.

تأكدت التوقعات، والانتخابات لم تسفر عن مفاجأة، وخارطة الطريق وقع على أطرافها كل من قبل بقواعد اللعبة. تبقى الآن “معركة” التحالفات؛ وهي أيضا لن تخرق القاعدة. فالخطوط الحمراء تفقد في المغرب معناها حينما يُتحكم فيها من بعيد.

المصدر: هنا أمستردام – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments