سعيد العمراني: هذه سيرتي فهاتوا ما عندكم

  • 0

نقطة نظام … ومواقف

بروكسيل- سعيد العمراني- من العبث أن يستمر الإنسان في حياة عادية وكأنه لا شيء وقع، بعد تلقيه تهديدات واضحة بالتصفية الجسدية مهما يكون مصدرها، أو عندما يسود الغموض حياته أو مستقبله السياسي والاجتماعي والوجودي في لحظة من اللحظات.

إن الأمر هنا غير متعلق بالخوف ولا بالتراجع إلى الوراء، مادام أن كل إنسان يعيش فوق هذه البسيطة لا يعرف متى وكيف أو أين سيموت، لذلك فمن الأفضل له أن يموت واقفا منتصب القامة خيرا من أن يموت موتة الكلاب.

أعتقد ان المسألة أكبر من ذلك بكثير. وهي في غاية الحساسية والمسؤولية، وخاصة عندما يكون المرء أبا لأسرة وفاعلا سياسيا ومدنيا، وعليه فإن الأمر يتطلب بالضرورة وقفة مع الذات لتقويم حياته ومراجعتها لفتح آفاق جديدة له حتى يكون الإنسان – إن بقي على قيد الحياة طبعا – مفيدا لعائلته ولرفاقه وللنضال وعموم الإنسانية.

ما معنى أن تعيش تحت وطأة الإرهاب؟

لست هنا بصدد تحديد مفهوم الإرهاب (فمن يريد ذلك عليه أن يتصفح المنجد)، كما لا أريد أن أتهم أحدا أو الوصول إلى خلاصات مادام التحقيق لا يزال جاريا، لكن ما يهمني الآن هو أن أوضح كيف يمكن أن يعيش الإنسان عندما يتلقى تهديدا جديا من طرف مجهول أو مجهولين.

لا أنكر أن المهدد (مهما بلغت قوة شخصيته) يظل حائرا ومتسائلا حول مصدر التهديد المباشر بالنسبة إليه وكيفية التفاعل معه قانونيا وسياسيا وعمليا.

إن أصعب شيء في حياة الإنسان هو عندما يصل إلى درجة الشك في كل شيء، وهو يحاول أن يستحضر كل خصوماته واختلافاته السياسية وأعدائه الفعليين والمحتملين الذين يتربصون به، لا لشيء سوى لأنه يكتب أو ينتقد أو يعبر عن آرائه بالقلم والكلمة الحرة فقط.

عندما يكون التهديد بلا عنوان وبلا مصدر، تحاول أن تصنف درجات أعدائك وخصومك من الأكثر إلى أقلهم خطرا (ولا تستبعد أحدا). ومهما بلغت لياليك البيضاء في التفكير بحثا عن الفاعل، فلا تجد أمامك إلا احتمالات ثلاثة لا رابع لها، بحيث أن المجرم/المجرمين لن يكونوا في آخر المطاف إلا داعشيين أو عياشيين (نسبة للعياشة) أو براهش (جمع برهوش)… فالتحقيق الذي يجريه اليوم القضاء البلجيكي بشكل مستقل هو الوحيد القادر على فك هذا اللغز الخطير.

فإن تركنا هذا الأمر لتحقيق الشرطة والقضاء البلجيكي فيظل السؤال الأكبر هو عندما يجد الإنسان نفسه أحيانا شبه وحيد في مواجهة المشكلة ويواجه الأمر وحده و بمؤازرة معنوية لقلة من أصدقائه الأوفياء والصادقين. فهنا يمكن أن يقول الإنسان (من لا يقف مع صديقه كان معتقلا أو مهددا في وقت الشدة ولو بكلمة دعم معنوي، فلا تنتظر منه خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة. و هنا أفكر في المعتقلين السياسيين في المغرب الذين يقضون عقوبات سجنية متفاوتة بسبب أفكارهم وآرائهم وعلى رأسهم الرفيق محمد جلول عضو التنسيقية العامة لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب الذي يقضي عقوبة 5 سنوات سجنا نافذة في السجن المدني بالحسيمة)، بل تكاد أن تتساءل هل لا زال هناك فعلا أمل في الثورة وفي التغيير عندما تجد ربما بعض “الناس” يتلذذون بما حصل لك أو ربما يتمنون لك الموت السريري والسياسي وحتى الجسدي قبل أن يطلق النار وترتكب الجريمة و…..

العالم يتحول

في الماضي -و لازال- كان الناس يهاجرون من العالم الثالث إلى أوروبا هاربين من الاضطهاد والقمع وهم يطلبون اللجوء والحماية من الدول المسماة “ديمقراطية”، أما اليوم فلا أمن لا هنا ولا هناك. فالعالم في تحول مستمر وبشكل مخيف. فإذا كانت الإنسانية تسعى وتناضل من أجل التقدم والتنمية والرفاهية والأمن والأمان، فإننا نشاهد اليوم تحولات خطيرة وتراجعات نحو الوراء بشكل مستمر. فبالأمس كان الغرب يطمح إلى نشر نموذجه الليبرالي وتصديره إلى كل بقاع العالم ويقدمه كبديل عن الشيوعية وبعض الأنظمة الغير التابعة في العالم الثالث. لكن بمجرد أن تخلصوا مما يسمونه ب”الغول الشيوعي” وانهيار الاتحاد السوفياتي بدأت الدول الغربية وخاصة الأوروبية منها تتراجع عن المكتسبات التي حققتها شعوبها في إطار نظام الديمقراطيات الليبرالية الغربية والثورات البرجوازية في أوروبا.

فاليوم، وبعد عجزه على إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية والمالية التي يتخبط فيها، يتجه الغرب إلى خلق حالات حروب في كل العالم (اوكرانيا، مالي، افريقيا الوسطى، نيجيريا، الصومال، افغانستان، فلسطين، العراق، سوريا، ليبيا….)، محاولا إخفاء ازمته الاقتصادية المستعصية، بحثا عن بيع أسلحته أو استمالة الناخبين، ولذلك فلا نستغرب عندما ارتفعت شعبية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند من 27 في المائة إلى 49 في المائة مباشرة بعد العملية الإرهابية التي أودت بحياة صحفيي جريدة شارلي ايبدو.

وتبقى شمعة الأمل الوحيدة في أوروبا تلك التي أضاءت مؤخرا في بلاد أفلاطون، ويتعلق الأمر بوصول حزب سيريزا اليساري إلى السلطة في اليونان وإمكانية نجاح حزب بوديموس بإسبانيا لإعادة النقاش إلى نقطة الصفر، لعل وعسى أن تعيد أوروبا النظر في نوعية ديمقراطياتها المبنية على ديكتاتورية الأبناك والهيمنة على العالم ودعمها الأعمى لظلم دولة إسرائيل تحت تأثير ضغط اللوبي الاقتصادي الصهيوني في العالم.

المنطقة المغاربية والشرق الأوسطية والثورات المضادة

عرفت سنتا 2010 و 2012، انتفاضات وثورات مهمة للشعوب المغاربية والشرق الأوسطية التي كانت انطلاقة شرارتها من دولة البوعزيزي بتونس الخضراء، وامتدت إلى كل من ليبيا والمغرب ومصر وسوريا والبحرين واليمن، والتي توحدت كلها على شعارات تنادي بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، واجمعت على ضرورة محاربة الفساد والاستبداد كل بطريقته.

هكذا استبشرنا خيرا عندما هرب بنعلي، دكتاتور تونس السابق، وإزاحة كل من حسني مبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن ومعمر القذافي في ليبيا، لكن تدخل الغرب أفسد هذه الثورات السلمية وعمل على توجيهها وزرع الفوضى، ممهدا بذلك إما لعودة الحرس القديم أو تشجيع قوى محافظة رجعية للوصول إلى السلطة، مستعملا كل الأساليب بما فيها الدعم المادي واللوجيستيكي والعسكرى لمليشيات فاشية لا تتقن إلا لغة الموت وحرق الأخضر واليابس كلما أتيحت لها الفرصة لذلك. وهكذا تحالف المخزن مع العدالة والتنمية في المغرب ليمكن هذه الأخيرة من تصفية حساباتها مع اليسار وإنجازاته، والتراجع عن الإنجازات التي تحققت بفضل النضالات المريرة للشعب المغربي وقواه الديمقراطية إبان سنوات الرصاص.

“يمكن اعتبار المصادقة على مشروع التقسيم الجهوي الجديد بمثابة دق آخر مسمار في نعش الإرث التاريخي للثورة الريفية”

فباستثناء التجربة التونسية، فإن الغرب دمر سوريا تدميرا دون الإطاحة بنظام بشار الأسد، وسكت عن الاضطهاد الذي يتعرض له المصريون من طرف نظام العسكر هناك، ويدفع باليمن اليوم نحو المجهول. أما القضية الفلسطينية فظلت تراوح مكانها بحيث استغلت إسرائيل سيادة الفوضى في مجمل دول المنطقة لتوسع حربها على غزة وتشدد حصارها على فلسطين كل فلسطين.

المغرب

يعيش وطني في تخبط مستمر على جميع الأصعدة علاقات خارجية باردة بل متوترة مع عدة بلدان (فرنسا، مصر، الجزائر، موريطانيا، ايران، فينيزويلا وبعض الدول الاسكندينافية و الإفريقية). سياسة داخلية مليئة بالبؤس والفساد والتهريج والبهرجة والتفقير والنفاق السياسي. فشل في تدبير ملف الصحراء وسيادة سياسة التحكم في كل الملفات. تقسيم جهوي أمني على مقاس وزارة الداخلية وأحزاب برلمانية لا برنامج لها إلا برنامج الملك، حتى أضحى من الصعب على أي عاقل أن يتحدث اليوم عن وجود أحزاب حكومية وأخرى معارضة، إذ كلهم للمخزن خادمين (حكومة صاحب الجلالة و معارضة صاحب الجلالة على حد تعبير إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية). أما مديونية المغرب فارتفعت من 26 مليار إلى 37 مليار دولار، وستؤدى في آخر المطاف من القوت اليومي للمواطنين والمواطنات المغاربة).

الكل يقر بفشل السياسات التعليمية بمن فيهم الملك. أما الصحة فحدث ولا حرج، فوزير الصحة يخبرنا علانية عبر القناة الثانية المغربية بأن ما يقارب نصف المجتمع مريض نفسانيا (بلا حرج و لا حشمة). استمرار محاكمة الصحفيين (آخرهم محاكمة الزميل حميد المهداوي عن موقع بديل الاليكتروني)، واستمرار الاحتقان السياسي والتضييق على أنشطة المنظمات الحقوقية والديمقراطية وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

الريف الكبير/ شمال المغرب

يمكن اعتبار المصادقة على مشروع التقسيم الجهوي الجديد بمثابة دق آخر مسمار في نعش الإرث التاريخي للثورة الريفية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، إذ تم مسح اسم الريف نهائيا من الجغرافية المغربية ومن خريطة أي جهة من الجهات الجديدة كانت شرقية منها أم غربية.

لا أدخل هنا في الجدال العقيم: إلى أين ستنظم الحسيمة أو الناظور؟ موقفنا كان واضحا وضوح الشمس، ويكمن في إيماننا العميق بضرورة توحيد كل أجزاء خريطة الريف التاريخي ومنح أهله حق تدبير شؤونهم بأيديهم في إطار برلمان وحكومة محلية منتخبة، وهو الشيء نفسه نطالبه لكل الجهات التاريخية بالمغرب، باعتبار أن التدبير الجهوي المستقل عن المركز هو السبيل الوحيد لنزع الصلاحيات من السلطة المركزية وضمان الوحدة الوطنية على أسس جديدة مبنية على التضامن والتآزر والتقسيم العادل للثروة والسلطة ومحاربة لوبيات الفساد والاستبداد التي تستفيد من الوضع القائم وتنهب خيرات البلاد والعباد. و هذا لا يمكن أن يتم إلا في إطار نضال استراتيجي يمكن المغرب من دستور ديمقراطي يقر بفصل حقيقي للسلطات وينص حرفيا على الوحدات الجهوية /الاطونميات بصلاحيات واسعة، تمكن أبناء الجهات التاريخية بالمغرب من التدبير السياسي والاقتصادي والتعليمي والثقافي والصحي على غرار دولة بلجيكا أو اسبانيا أو المانيا أو أي نموذج آخر من إبداع و توافق المغاربة.

خاتمة القول

تبعا لما سبق، أعتقد أنه آن الأوان لمراجعة أوراقنا وتحديد أولوياتنا وتنظيم حياتنا. وما عدا ذلك لن يكون مفيدا لنا ولا لعائلتنا ولا لرفاقنا ولا لأي كان.

ففي الوقت الذي اطمأن فيه كل رفاقي ورفيقاتي، صديقاتي أصدقائي، على أن لا أحد يستطيع إرغامي على التراجع على مواقفي وآرائي أو أفكاري وقناعاتي، وهي قناعات ليست بالجديدة بل معروفة عند العادي والبادي، ولم أخبأها يوما منذ أن تعلمت تقاسيم السياسة على يد تلامذة وأساتذة ثانوية مولاي يعقوب البادسي بالحسيمة بداية الثمانينات، ونحتتها ميدانيا و فكريا فيما بعد على يد مناضلي طنجة وقاعديي تطوان وفاس ووجدة والرباط والقنيطرة ومراكش وجامعات أخرى، وأغنيتها بتجارب ميدانية وفكرية يسارية وحقوقية في داخل وخارج المغرب. قناعات في مجملها تناهض قمع الحريات وتطالب بالعدل والمساواة وبالحياة الكريمة وبالخبز والصحة والسكن والشغل والتعليم لجميع المواطنين والمواطنات وبتقسيم عادل للثروة و السلطة.

فبالرغم من أنني هاجرت إلى بلجيكا أواسط التسعينات، بقيت مغربيا حتى النخاع وأخصص أكثر من 90 في المائة من وقتي لمتابعة ما يجري في وطني المغرب، وخصصت تقريبا كل وقتي بعد العمل للقراءة والكتابة، وللأنشطة الموجهة للمغرب والمغاربة حتى انتهى بي الأمر بتلقي تهديدات بالقتل بالرصاص الحي وسط العاصمة الأوروبية بروكسيل، بسبب أفكاري وكتاباتي مهما كان الفاعل.

لم أدع يوما أنني من الملائكة أو انني لا ارتكب أخطاء (من منا لا يرتكب أخطاء حسب تعبير محمد بن عبد الكريم الخطابي)، فكل من يمارس يخطئ. فأنا أعرف أخطائي ولا حرج لي أن أكون أول من يعترف بأخطائه ونواقصه قبل غيري، إن دعت الضرورة إلى ذلك. لكنني أنا واثق بأنني اشتغلت بصدق وإخلاص وأنني لم أخن الأمانة أبدا ولم أبع “الماتش” يوما ولم أسرق أحدا ولم أنهب خيرات المغرب ولا بلجيكا، وبقيت وسأبقى دائما كما كنت، إنسانا بسيطا ثابتا على المبادئ رغم كل المتغيرات والتهديدات.

وقد يكون المؤتمر الثاني لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب المزمع عقده بالحسيمة أواخر أبريل (إن بقيت على قيد الحياة) حدثا فاصلا في حياتي السياسية و الحقوقية.

أكرر أنني لا أكره الناس ولا أحقد على أحد. لقد تعلمت أن الاختلاف رحمة وفي الجدال غنى وللحوار معنى وللتسامح مغزى، وانتقاد دولة أو جماعة فكرية أو سياسية -دون أن تسب أحدا- يدخل ضمن حرية الرأي والتعبير الذي تضمنه كل القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، لكن أن يصل الأمر أن يهددوك في حياتك بالرصاص (مهما كان الفاعل سواء أكان داعشيا أو عياشيا أو برهوشيا)، فذلك لا يمكن أن يفيدهم في شيء. بل أجزم أن من يعتقد إسكات الناس بالترهيب والتهديد ولو بقوة الرصاص فهو واهم، بل هو أمر لا يمكن أن يقبله العقل ولا المنطق، والصمت عليه جريمة.

Comments

comments