محمد أمزيان: أعتذر لمن؟

  • 0

الإرهاب لا دين له ولا ملة، لا وطن له ولا هوية؛ الإرهاب فيروس خطير عابر للحدود والقارات، يولد في المناطق الموبوءة بالنزاعات والتدافع والصراعات، ثم ينتقل بسهولة كالعدوى إلى مناطق آمنة مستقرة؛ الإرهاب يقتل، وإن لم يقتل فهو يزرع الفتنة ويقوض أركان التعايش في المجتمع.

ولعل زرع الفتنة والخوف بين فئات المجتمع الواحد هو ما يرمي إليه الإرهابيون بالدرجة الأساس، وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه الجميع. كما أن محاربته يجب أن تتم في إطار من التعاون والشفافية والمصارحة. غير أن ما يلاحظ في مثل هذه الحالات هو الاستغلال السيئ للإرهاب من أجل تنفيذ أجندات سياسية وقحة مثلما يفعل زعماء العنصرية والتطرف والشعبوية.

محمد أمزيان - صحفي وكاتب مغربي

محمد أمزيان – صحفي وكاتب مغربي

التوظيف السياسي لما جرى في باريس وما تلاه من أحداث دموية في بلجيكا ومداهمات واعتقالات جارية في بلدان أوربية أخرى، مثل هولندا وألمانيا، مدان أيضا وبشدة، وهو استغلال بشع لآلام الناس وأحزانهم. وعلى الرغم من سماعنا أصواتا عاقلة لمسؤولين أوربيين في أعلى هرم السلطة تدعو إلى ضرورة الفصل بين الإرهاب والإسلام، فإن الاعتداءات على مواطنين مسلمين متواصلة. هي حوادث معزولة حقا، لكنها تصب الزيت على النار، ومنها يتغذى الإرهابيون وأنصارهم لتبرير أعمالهم الإجرامية.

ولا يحتاج المرء إلى أن يكون عرافا، قارئا للكف والفنجان، كي يرى أن صورة المسلمين في الغرب قاتمة وأن مستقبلهم دخل زمن التيه والعتمة. أوقات صعبة في انتظارهم وعليهم في كل خطوة أن يفسروا لغيرهم أنهم مختلفون عمن يذبح ويقتل باسمهم، وأنهم أيضا ضحايا. ما المخرج، إذن؟ وهل على المسلمين أن يعتذروا عن جرائم تقترفها شرذمة من الحمقى باسم الدين؟ أنا، شخصيا، لن أعتذر ولن أحمل في جيب سترتي شهادة حسن السيرة؛ وفي المقابل، أدعو وبكل قوة إلى إنزال أشد العقاب بكل من قام بتلك الجريمة أو خطط لها أو أشاد بها، بل أدعو إلى أن يشمل العقاب تلك الدول التي تدعم الإرهاب خلسة وعلانية، وتلك التي تحتضنه وترعاه وتستخدمه مطية لتحقيق مآربها.

لكن، من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن هناك خللا حقيقيا يوتر العلاقة بين المسلمين والمجتمعات الغربية التي يعيشون فيها، وكثيرا ما يحتمي المسلمون وراء حائط «المؤامرة العالمية» ضد الإسلام، بينما هذا الحائط هو الذي يعميهم عن رؤية الواقع. على المسلمين أن يدركوا أن الغرب لن يتخلى عن نظمه وقوانينه التي وصل إليها بعد معارك طاحنة ضد ذاته أولا وقبل كل شيء. على المسلمين في الغرب أن يدركوا، كذلك، أن المسألة الدينية حسم أمرها منذ زمن بعيد، وأن لكل امرئ ما نوى واعتقد، أما الوطن فهو للجميع، فلماذا يصر المسلم في الغرب على خلق مسافة بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه ويعتبر نفسه غريبا محاطا بالأعداء والمؤامرات؟

لا يحتاج المرء إلى أن يكون عرافا، قارئا للكف والفنجان كي يرى أن صورة المسلمين في الغرب قاتمة

لا يخفى أن الإسلام في الغرب يعيش أزمة وجود حقيقية، وهي أزمة لا تنفصل في عمقها عن الأزمة العامة التي يمر بها الإسلام حتى في دول المنشأ. هناك أسئلة معاصرة تطرح على الإسلام والمسلمين لا يمكن الإجابة عنها باجتهادات فقهاء عاشوا في زمن غير هذا الزمن. هناك تحديات كبرى تواجه الإسلام والمسلمين، وهي تحديات ليست سياسية واجتماعية وثقافية فحسب، بل هي في الأساس تحديات فكرية وعقلية لا يمكن مواجهتها بعقليات ضيقة نافية للآخر. من المؤسف حقا أن يهيمن «الفكر» المتحجر على عقول شرائح واسعة من المسلمين، «فكر» لا يجد حرجا في الاتكال على قوة المال ليفرض نفسه على الآخرين؛ ولا يهم أتباع هذا «الفكر» أن يصطدموا مع هذا الآخر، بل يبحثون عن الاصطدام ويهيئون له كل الأسباب والمبررات. ولا بد من الإقرار بوجود هذه الأزمة للبحث لها عن حلول. هناك في الغرب من يدعو الآن إلى ضرورة تدخل الدولة لتنظيم الحقل الديني الذي يعرف فوضى شاملة وتعددا في الولاءات. هذه الدعوة هي، في نظري، مرفوضة لسببين: الأول أن الغرب فصل الدين عن الدولة، وهذا أمر محسوم ولا رجعة فيه؛ والثاني أن تدخل الدولة -إن حدث- سيخلق دينا «أمنيا» مشكوكا فيه وسيدخل المسلمين في صراعات هم في غنى عنها.

لا بد للإسلام الغربي أن يبحث عن هويته الخاصة في محيطه ويقطع مع ذلك الموروث الموبوء بالتقاليد والطائفية والولاء المخزي للسلطة.

*المصدر: المساء المغربية

Comments

comments