محمد السقفاتي: مي عَكّازن

محمد السقفاتي‏”نَاشْ مَارَا مُّوثَخْ، نَدْرَمّايْ كِي سَكْسُو
‏‎كَّمَّايْ ثيمَنْزا، سْ اوغْرومْ نْ بُيُو”
…….
 ‏‎عانقني بشدة وهو يحملني كريشة بين ذراعيه.
‏‎قلت له وأنا أحس بأنفاسه الحارة تلفح جيدي وصدري، بينما وجيب قلبه يضرب بقوة على جنبي منسيني الوخزات الحادة لضلوعه البارزة من تحت جلبابه، يا أخي الذي من نفس الرحم، دعك من حملي وعناقي، ضعني أرضًا لأتنفس، إني أكاد أختنق.
 ‏‎تمددت على الأرض مستسلمة، ابتسمت في وجهه، كان يكفيني أن أراه قد تخلص من ثقلي الذي أنهكه، وسرني أنه الآن سيدخر ما تبقى من جهده الذي سيحتاجه لاحقا، في غالب الأحيان، دوني. ‏‎شمرت عن ذراعي وتحسستها، لم يعد من لحم هناك، والجلد لا يكفي، هكذا فكرت، لذلك كشفت له عن ربلة ساقي، وطلبت منه أن يدنو. هنا، قلت، اطبع أسنانك على هذا اللحم الذي لم يعد بمقدار كسرة خبز، هيا تدرب فيّ، فيه ستجد دفقات حياة لروحك، اختر من الآن قضمتك الأولى، ستحتاج إلى لحم ساقي كي تبقى حيا..
‏‎
تمنيت في تلك اللحظة لو اقترب أخي مني واقتعد الأرض أمامي مريحًا رأسه بين أحضاني وأنا أمسد شعر رأسه، لكنه بدل ذلك، تسمر في مكانه وظل ساكنا. ‏‎حينها اعتراني الغضب، لعنته بأقذع السباب وقذفته بجميع الشتائم التي أعرفها قبل أن أخرّ وأنهار في نوبة بكاء، وبما تبقى من قواي ودموعي، لعنت الرب. كدت ألفظ أنفاسي وأنا ألعنه.
” لعنة الجوع الأسود عليه”، صحت بملء قواي المنهوكة.
‏‎
الشمس حارقة أكثر من اللزوم رغم أن الصبح ما زال في بدايته، ولم يكن في سماء رَقَّانْ المشتعلة، أي ضبابة أو سحابة. دققت النظر في الوجه الواقف أمامي، كان أصفرا شاحبًا وخاليا من أية إشارة انفعال، رغم كل القذارة التي أودعتها في كلامي.
تقدم أخي إلي بجسده الهزيل، ضم هيكلي الذي صار أوصالًا، ولولا الجلد لتفكك وتشتت.
‏‎رفعني، حملني من جديد رغم رفضي واعتراضي.
‏‎سار بي إلى غابة رقان، وأنا أركل الفراغ برجليّ وأدق الهواء بيدي كطفلة مدللة لم تحصل على ما تريد.
‏‎ضمة ذراعيه صارت تشتد حولي وتحدث ألما فظيعا في عظامي. لكن أخي لم يعر أي اهتمام، لا للألم ولا لاعتراضاتي، انعرج بي بين النبت وشجر الغاب، وكل ما أتذكره أنني ظللت أصرخ في وجهه، أصرخ وأصرخ.
‏‎عندما أوشكت أن أفقد قواي وأنهار، توسلته أن يتوقف، أن يعيدني إلى مكاني ولا يدلف بي إلى الغابة.
‏‎”من فضلك لا تترك لحمي تنهشه الوحوش، دعني على قارعة الطريق، قد أفيد عابر سبيل، قد أنقذ روح أحد”.
‏‎
قبل يومين، أخذنا القرار ألّا نستسلم بسهولة للموت كما فعل أبي، ومن بعده أختي الصغرى، ثم أمي ، في ظرف زمني وجيز.
كل مرة، كنا نرسل رقاصا إلى الحاج حمو نْ دريس، كي يساعدنا في حفر قبر أحدنا. ‏‎هو الشخص الوحيد الذي بمقدوره أن يحفر ولازالت قواه تسعفه ليغرز أسنان فأسه في هذه التربة المتصلبة اليابسة، رغم أن حفر القبور بالنسبة لمكانته وسمعته يعد عملا مشينا، فهو من الأعيان الذين يملكون أراضي شاسعة، وإن صارت مجدبة لم تعد تنفع، بعدما تحولت جلها إلى بقع حمراء تشبه الجحيم.
‏‎لكن مع ذلك، فالحاج يمتلك مزارع خروب لازالت صامدة يستند عليها، وأراضي سقوية في سهل النكور جنب “ثانْدَا حُوّا”، ولديه أيضا معزا يحلبه حيث ظل ينتفع بكأس حليب كل صباح.
‏‎حين ماتت أمي عصر ذلك اليوم، قال لنا؛ اتركوها حتى الغد، فقواي لن تتحمل حفر قبر رابع في يوم واحد.
‏‎كان الناس يسقطون كأوراق الخريف والموت يخطفهم واحدًا تلو الآخر.
أما نحن فأرهقنا التفكير في مصيرنا الذي صار بلا أمل، ونحن نرى فرصنا تنفذ يوما بعد يوم.
في المساء، كنت أسند رأسي للحائط، أحدق في عوارض السقف الخشبية وأحاول عد أعواد القصب المثبتة تحته لتشبيكه وتمتينه، بينما راح أخي يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، مستنفدًا قواه دون ضرورة أو معنى، عندها حضرتني فكرة لم تخطر على بالنا من قبل، تنحنحت أولا عدة مرات كي يجلو صوتي وقلت:
- لم لا نذهب إلى أختنا، فإذا ما استطعنا الوصول إليها، قد ننقذ أرواحنا ونبقي أنفسنا على قيد الحياة.
لحظتها كف أخي عن غَدَواته ورَوْحاته، وأطلت من عينيه نظرة رجاء مشتعلة، تقدم في حماسة واقترب مني. شدني إليه ثم قال : لنهجر إذن هذا المكان الملعون.. لندع الحاج حمو ن دريس يرتاح قليلا، إذا كان الموت حولنا لن يمنحه فرصة لذلك، فسنوفر عليه على الأقل عناء حفر قبرينا.
نهضت وقمت على رجلي من فرط الحبور، تعانقنا بحرارة واغتسلت أخدتنا بدموع بعضنا البعض. تلك الليلة خلدنا إلى النوم مطمئنين. في الغد انتظرنا حتى غاب قرص الشمس المصفر، وانطلقنا. ‏‎بأقدام حافية وبطون لم تذق لقمة واحدة منذ أيام، أخذنا الطريق نحو أختنا القاطنة مع أسرتها في مدشر بعيد.
‏‎قبل أن تسدل العتمة ستارها فوق مرتفعات رقان وتبتلعنا، أمسك أخي يدي الواهنة، ضغط عليها برفق والتفتنا صوب أسفل الجبل، حيث تركنا بيتنا. ألقينا نظرة أخيرة عليه قبل أن يصيح بصوت عال وحازم:
‏‎” والله مَذا نَوَّاثْ آشُّو”، ثم سحبني من يدي لنجِدّ في السير وتلتقط أقدامنا الخطوات التي علينا تكبد جهدها، ومع ذلك، فثمة شيء في كلامه جعلني أسرح ضحكة، وإن كان ذلك بصوت واهن مبحوح ومشروخ من شدة الجوع والإنهاك. كان الحاج حمو نْ دريس قد أعطانا بعض قرون الخروب أثناء حفر قبر أمي كي تشتد قوانا، أوصانا بالدعاء وحمد الله الذي منح لنا فرصة دفن أمواتنا في قبر، لأن ثمة من هم أقل حظًا؛ ” أشَّاثَنْ آشُّو” ، أولئك الذين ينسحبون إلى بيوتهم، يزيلون النوافذ والأبواب، يبنونها من الداخل، يغلقون على أنفسهم مستسلمين لقدرهم المحتوم. كان ذلك أول مرة أسمع فيها بهذا الامر، فبعث ذكره من طرف أخي بتلك الطريقة شيئا من التسلية في نفسي، لكنه مع ذلك كلفني الضحك طاقة كبيرة.
‏‎
لو كنا في كامل قوانا، لتمكنا من قطع كل المسافة في بضع ساعات، لكن مع حالتنا هذه، فإننا بالكاد وصلنا مشارف غابة رقّانْ مع الصبح. كم من مرة نصحته أن يمضي وحيدا دوني، وفي كل مرة كان يرد: القرار أخذناه معًا، ومعا سنقاوم حتى نصل، أو نسقط معًا.
‏‎
كان أخي أقوى مني، ليس لكونه رجلا، لأنه في هذه الظروف العصيبة فكلا الجنسين سوى، إنما بسبب عدد الوجبات التي تناولها أثناء قيامه بحفر القبور وأعمال الحصاد، لدى من بقيت له أرض صالحة.
‏‎قال له أبي ليستحثه: اذهب إلى سي عْري، وساعده في جمع محصوله. تلك الوجبة التي ستحصل عليها كمقابل، هي بضعف قيمتها، تستفيد منها في عين المكان فتضمن يومك، وتوفر نصيبك مما لدينا، لنستطيع أن نصمد أكثر. ‏‎مرة واحدة فقط استطاع أن يجلب شيئا معه إلى البيت، بعد أن ملأ جيب معطفه شعيرًا، حصل عليه بمشقة كبيرة.
‏‎حين وصل وعرض علينا محتوى جيبه، تفحصت أمي الغنيمة، قلبتها بين كفيها وفكرت مليًا في أن تصنع منها وجبة ولو هزيلة، لكنها لم تكن لتكفي، فاختارت في الأخير أن تقدم منها لكل واحد منا، حفنة صغيرة. ‏‎التهمناها كما تفعل البغال. ‏‎حبات الشعير تلك كانت بمذاق الحلوى، كم كانت لذيذة!
 ‏‎كان الجوع قد هدني، والآن، مع هذا الجهد الأخير، ربما جننني أيضا. تهاويت، فانزلق جسدي بين ذراعي أخي تحت فيء شجرة، بدأت أهذي، صوتي يتردد كهدهدة في حنجرتي، الحروف تتبخر بفعل الحرارة المرتفعة وتتلاشى في فمي قبل أن تجد لها مخرجا إلى الهواء، ما عاد لساني قادرا على ضبطها. فكاي المفتوحان خرجا عن تحكمي ولم يكونا عونًا لي.
‏‎نظرت إلى السماء بعينين ذابلتين، أحسست بالغثيان ورغبة في تقيؤ أمعائي الفارغة المتيبسة، ثم أغمي علي.
‏‎كانت هناك أمي في فستانها الأبيض البهي، شعرها الحريري يتناثر خلفها وهي تحلق فوقي مبتسمة، ثم تقترب مني، تمد لي يدها، وتحضني أن أمسك بها. كانت تحدوني رغبة عارمة كي أستجيب لها، اندفعت نحوها، لكن ثمة قوة ما، حالت بيني وبينها، منعتني، وجرتني إلى الخلف مبعدة يدي عن يدها، ثم انسلخت من الحلم مذعورة.
“‏‎حملني الرجال وواصلنا المسير، في لحظة توقفوا، نظرت إلى ما جعلهم يفعلون؛ كانت هناك جثة امرأة مجهولة ممددة وسط الطريق”.
‏‎فتحت عيني، لا أعرف كم من الوقت مر وأنا بمفردي. رفعت يدي وظللت بها عيني، وعبر ضبابة ميزت بصعوبة وجه أخي، ثم وجوه أخرى واقفة أمامي، ولمحت أدوات الحفر في قبضات الأيادي.
قلت في نفسي وأنا أتململ في مكاني، ها أنا أخيب أمل هذه الفؤوس والمعاول. ها أنا حية أتنفس.
عندما سردت هذا الحلم على مسامع أختي في وقت لاحق، همست لي في أذني وقالت معتمدة في كلامها على حكمة قديمة تخص تفسير الأحلام التي يدعوك فيها شخص ميت للاقتراب منه؛ ” لو رضخت ومسكت يدها، لسحبتك إليها وصرت الآن بصحبتها في مملكة الأموات”. ‏‎ناولني أخي حساء ماء ممزوج بقليل من الطحين، وفي تلك اللحظة بالضبط التي بدأت أتذوق ما يفرغ في فمي من جرعات صغيرة لذيذة، ابتسمت، فاشتهيت الحياة.
‏‎حملني الرجال وواصلنا المسير، في لحظة توقفوا، نظرت إلى ما جعلهم يفعلون؛ كانت هناك جثة امرأة مجهولة ممددة وسط الطريق، ربما كانت دون رفقة حين سقطت، أو ربما لم يتجشم من معها عناء دفنها وواصل الطريق دونها. ضلوعها بارزة، وجهها لزِقت جلدته بعظمه بشكل مرعب، حدقت فيها، تحسست وجهي، إنها تشبهني تماما، هي صورتي بشكل غريب، لكني لم أذرف دمعة واحدة، كيف لي أن أفعل وقد صُعقت كثيرا مما مررت به وصرت أكثر من باردة.
حفر الرجال ما استطاعوا في الأرض الصلبة، حين ما عاد بمقدورهم أن يواصلوا، وضعوا جسدها في الثلم، بالكاد غاب حتى نصفه، وكوموا فوق الجثة ما تحصلوا عنه من تربة ، ثم ثبتوا شاهدين في جثوتها. لاحقًا صار القبر مزارا يؤمه الحجيج. وحين أغدق المطر على الأرض الظامئة، لم يجد الناس لسنوات ما يزرعونه، لكن على الأقل كان هناك النبت، وكانت لهم جذوره.
 ‏‎
هامش:
‏‎*مِي عكّازن: مقام ومزار يتواجد بمنطقة ثيزي ن تاوتش قرب غابة رقّانْ، لامرأة مجهولة الهوية، من ضحايا موجة الجوع الذي استبد بالريف في أربعينيات القرن العشرين ودامت بضع سنين.
  ‏‎** ازري غير معروف لمن يعود، غالبًا نسج في أعوام الجوع، تمنى صاحبه أن تعود جثته بالنفع على الأفواه الجائعة، وتقول كلماته: إذا مت، فادفنوني في صحن كسكس، واجعلوا من الخبز شاهدي قبري.
 ‏‎*** رقان: خلاء شاسع فوق مرتفعات قبيلة آيت توزين بالريف، المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

Comments

comments