أنس أمقران: فواكه السجن

  • 0

يمكن للقارئ أن يستشف، وهو يجيل نظره في دلالات العنوان أعلاه، أن الموضوع يتعلق بالمكتسبات والثمار التي قد يجنيها كل إنسان، نقصد كل سجين أو سجينة، من تجربته داخل أسوار السجن؛ ذلك أن مؤسسة السجن تبقى فضاء يتعلم منه وفيه الإنسان الكثير من الدروس والعبر. فالسجن محطة يتوقف عندها السجين ويتأمل من داخلها تفاصيل حياته الدقيقة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ويفتح عينيه على رؤية ما كان لا يقوى على رؤيته حين كان “سجين” حياته اليومية السابقة المتسمة بالقلق والعجلة والتشكي من ضيق الوقت. ولعل هذا هو المعنى المجازي الذي كان قد أومأ إليه الشاعر عبد اللطيف اللعبي حين أقر ذات مرة: “من منا دخل السجن ولم يخرج منه شاعرا”.

والحال أننا لا نبتغي هنا التوقف عند هذا المعنى المجازي، بقدر ما نستهدف ذلك المعنى الحقيقي للفاكهة المتاح تناولها من قبل السجناء المغاربة اليوم؛ إذ بلغ إلى علمنا أن الفواكه الموسمية، من قبيل: البطيخ الأحمر والأصفر، والعنب والبرتقال، والخوخ والمشمش، والتين والكمثرى، والكرز والرمان … وغيرها كثير من الفواكه المتنوعة التي تشتهر بها بلادنا وتعج بها أسواقنا، باتت من الأحلام الجميلة التي يتذكرها السجناء، بحنين دفين، وهم يتسامرون ويقضمون أطراف الحديث آناء الليل وأطراف النهار بغرفهم المظلمة، لأن الفاكهة المسموح بتناولها في السجن اليوم هي التفاح والموز لا غير؛ وهذا ما نعتبره حرمانا ومساسا، لا يستهان به، بأحد الحقوق الأساسية للساكنة السجنية، أي حقها في الاستفادة من تغذية سليمة ومتوازنة.

“نرغب في لفت انتباه مسؤولينا على السجون إلى أن هذا الحرمان الذي ما فتئنا نتحدث عنه هنا، يتنافى والقواعد الجوهرية التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق السجناء”.

ومعلوم أن هذا الحرمان الذي أمسى يعيش على إيقاعه المعتقلون والسجناء المغاربة حاليا، هو نتيجة الاستراتيجية الجديدة التي رسمها محمد سالم التامك بعد المجيء به على رأس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، علما أن هذه الاستراتيجية كان من بين بنودها الأساسية، كما تم عرضها وإخبارنا بها وقت مجيئه، العمل على ضرورة تحسين جودة التغذية المقدمة للنزلاء، عن طريق إسناد تدبير هذه المهمة للقطاع الخاص، بما يفيد القطع مع النظام السابق القائم على “القفف” التي كان يتوصل بها النزلاء من قبل أسرهم وعائلاتهم وذويهم، وهو النظام (القفة) الذي تم إنهاء العمل به ولم يعد مسموحا به إلا في مناسبة عيد الأضحى، أي مرة واحدة في السنة.

بيد أن الأيام كشفت لنا عن كون نظام القفة كان أكثر “إنسانية” من استراتيجية التامك الجديدة، بحيث إن الأسرة في ما مضى كانت تقاسم ابنها “فطيرها”، سواء كان غنيا أو فقيرا، بل كانت تبذل جهدا أوفر وتكابر لتحسيس ابنها بوجوده وأهميته رغم العزلة القاتلة التي يئن تحت وطأتها بدهاليز سجنه. وبالمقابل تفرض الحوانيت النابتة بالسجون اليوم تمييزا واضحا بين السجناء، بين من يملك القدرة الشرائية ومن لا يملكها، بل الأدهى من ذلك هو أنه حتى في حالة امتلاك هذه القدرة، فإن هامش الاختيار يبقى منعدما نتيجة العرض الهزيل أصلا… وإلا فإننا نتساءل: لماذا يحرم المعتقل من شراء وتناول الأناناس والتوت والمانغو… ما دام قادرا على ذلك؟

وفي هذا السياق، نرغب في لفت انتباه مسؤولينا على السجون إلى أن هذا الحرمان الذي ما فتئنا نتحدث عنه هنا، يتنافى والقواعد الجوهرية التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق السجناء (وهي المعاهدات التي صادق عليها المغرب)، فالقاعدة 61/1 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء تقر بأنه “يجب أن تؤكد معاملة المسجونين أنهم ما زالوا جزءا من المجتمع وليسوا منبوذين منه ولا معزولين عنه”.

والحال أن ما يقع في سجون المملكة اليوم من حرمان السجناء من الاستفادة من حقهم في تناول فواكه بلادهم، وفق اختياراتهم، يعاكس هذا التوجه الحقوقي الدولي، ومن ثم يكرس سياسة النبذ والعزل عن المجتمع الذي ينتمي إليه هؤلاء المعتقلون، سيما وأن فيه مساس بحقهم في التمتع بخيرات بلادهم على غرار كافة إخوانهم المغاربة، حتى وإن كنا واعين ومدركين بأن عرض هذه الخيرات لا يعني بالضرورة إمكانية تناولها من قبل الجميع، تماما كما هو عليه الحال في الأسواق والحوانيت المبثوثة على طول خريطة هذا الوطن. ولنا أن نتصور شخصا قضى، مثلا، عشرين سنة من عمره أو أكثر داخل جدران السجن.. ألن يشعر بالألم والإهانة، في مجتمعه، وهو يتجول في أسواق بلاده بعد انتهاء عقوبته السجنية.. ألن يشعر بأنه صار شخصا غريبا مقطع الأوصال عن بيئته؟ وبالتالي هل يعتبر هذا الأمر نبذا وإقصاء أم تأهيلا وإدماجا في نظر الإدارة المسؤولة والرافعة لشعارها الخالد “إعادة التأهيل والإدماج”؟

تبعا لكل ما تقدم، فإننا لا نعتقد أننا ما زلنا بحاجة إلى التذكير بالعديد من الأبحاث والدراسات العلمية الحديثة التي أثبتت أن تناول الفواكه، بمختلف أنواعها وأشكالها وألوانها، تساهم كثيرا في تقوية جسم الإنسان وتصليب مناعته ووقايته من أمراض شتى ومختلفة. وقد أثبتت هذه الدراسات أيضا بأن عدم تناول كمية كافية من الفواكه يوميا “يتسبب في وفاة الملايين من الأشخاص، عبر العالم، نتيجة ما ينجم عن ذلك من أمراض القلب والأوعية الدموية”. ولئن كان الأمر قد أضحى متأرجحا بين: المرض أو الصحة.. الموت أو الحياة.. فعلى مسؤولينا أن يختاروا ما يبتغونه لأبنائهم (الساكنة السجنية) المغلوبين على أمرهم.

أخيرا، نأمل ونتمنى من المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، المعروف بسرعة تجاوبه مع كل ما يتعلق بشؤون الأوضاع السجنية بالبلاد، أن يتفاعل إيجابا مع ما جاء بين طيات هذه الأسطر، ويقدم للرأي العام التوضيحات الكاملة في هذا الشأن.

Comments

comments