جمال الكتابي: عبد الكريم الخطابي.. “المعلم المجهول لتشي غيفارا”

  • 0
جمال الكتابي ناشط حقوقي مغربي مقيم في هولندا

جمال الكتابي
ناشط حقوقي مغربي مقيم في هولندا

مقدمة عامة: تحت هذا العنوان نشرت الباحثة الألمانية من أصل تركي السيدة  Mevliyar Er، قبل خمس سنوات، بحثا أكاديميا بالإنجليزية حول انتقال تجربة عبد الكريم التحررية (حرب العصابات) إلى أمريكا اللاتينية عامة والثورة الكوبية خاصة. طريقة انتقال تجربة عبد الكريم إلى أمريكا الجنوبية كانت دائما محط نقاش وتساؤل من طرف العديد من الباحثين والمهتمين بهذا الموضوع، كيف انتقلت إذن هذه التجربة؟

 إن انتقال تجربة عبد الكريم إلى كوبا لم يتم عبر اللقاءات المباشرة لقادة الثورة الكوبية بعبد الكريم، حسب الباحثة، بل انتقلت عبر مقاتل كوبي اسمه Alberto Bayo. هذا الأخير شارك في معركة أنوال وحرب الريف بجانب القوات الإسبانية كجندي وطيار. الكولونيل “بايو” كان مجندا ضمن اللفيف الإسباني لمدة 11 سنة. هذا اللفيف كان مشكلا من مجندين من جنسيات مختلفة أغلبها ألمانية وبرتغالية، تم تأسيسه من طرف الملك الفونسو الثالث عشر بمرسوم ملكي صدر 28 يناير 1920، وعين على رأسه الماجور ‘خوسيه ميلان أستراي”، ليعوضه فرانكو لاحقا بعد سنتين. وكان شعار هذا اللفيف هو ” يحيا الموت” ليؤكد على وحشيته، حسب الكاتب الألماني Florian Sark الذي نشر مقالا حول هذا اللفيف في المجلة الألمانية الرقمية Welt في نهاية يناير 2020.

“شارك الكولونيل ‘بايو’ في الحرب بالريف بجانب إسبانيا كمجند في الجيش الإسباني، هناك أعجب ببسالة مقاتلي عبد الكريم لدرجة أنه درسها بدقة”

عندما بدأت الحرب الأهلية الاسبانية بين الحكومة اليسارية بقيادة الجبهة الشعبية و’فراكو’ سنة 1936 سيعلن ‘بايو’ انضمامه إلى صفوف الجبهة كقائد عسكري. سينسحب بعد سنة ونصف من القتال بجانب الجمهوريين ليذهب نحو الميكسيك بسبب خلاف مع قيادة الجبهة الشعبية حول خطة سير العمليات القتالية، خاصة أنه كان يدعو إلى تطبيق أسلوب ‘حرب العصابات’ ضد قوات فرانكو لهزمها كما هزمت بالريف.

‘ألبيرتو بايو’ لم يكن الشخص الوحيد الذي حمل مشعل ثورة الريف إلى الخارج، بل إن المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا بجانب عبد الكريم كان لهم الفضل الكبير للتعريف بالثورة من خلال مذكراتهم أو مشاركتهم المباشرة في ثورات مناهضة للإمبريالية أو الفاشية. هذا الانقلاب الذي حصل في صفوف مجندي اللفيف يعزوه البروفيسور سبستيان بلفور في كتابه: (العناق المميت، الفصل الثامن) إلى الظلم والحكرة وهول الحرب التي عاشها هؤلاء خلال حرب الريف، بحيث إن الكثير منهم لم تكن لهم تجارب وخبرة في خوض حرب العصابات، حسب بلفور.

ويضيف بلفور أنه عند تسريح هؤلاء من الجندية تشكل لديهم أكبر عداء للمؤسسة العسكرية مما جعلهم ينضمون إلى مشاريع مناوئة. وهذا ما يبرر انضمام المئات منهم إلى ثورة الريف للقتال في صفوفها (جوزيف كليمس اوطو، عبد الله صربيانو، أنطونيو ميكانيكو…).

ونظرا لأهمية هذا البحث في تقديم معطيات جديدة في هذا الجانب، أقدم ملخصا له من أجل تعميم الفائدة، ونحن على أبواب الذكرى 99 لملحمة أنوال الخالدة. فبالرغم من مرور قرن من الزمن تقريبا على ثورة الريف وأسر عبد الكريم، لم تتوقف الكتابة حول تجربته كما لم يتوقف إشعاع تلك التجربة، آخرها ما نشره الكاتب والمخرج الكتلاني Xavier Montanya في بداية يناير 2020 حول الكونيل “ألبيرتو بايو” تحت عنوان ” من هو ألبيرتو بايو.. حياة أستاذ ‘تشي’ من خلال خمس محطات”.

يتناول الكاتب في جزء من مقاله تطبيق أسلوب حرب العصابات من طرف “بايو” في تحرير أغلب جزر البليار من قوات فرانكو أثناء الحرب الأهلية وكذا نقل هذا الاسلوب إلى كوبا.

الكاتب الكتلاني تقاطع مع الباحثة الألمانية حول انتقال تجربة عبد الكريم إلى أمريكا الجنوبية عموما وكوبا خاصة من طرف ‘بايو’، بل أضاف معطيات هامة حول هذا الموضوع، وخاصة أنه اقتفى أثر ‘بايو’ في تطبيق أسلوب حرب العصابات كما هو معروف بالريف من أجل استرجاع أغلب جزر البليار الواقعة في المنطقة الترابية لكتالونيا من سيطرة قوات فرانكو.

سأقدم ملخصا كذلك لمقاله ضمن هذه المحاولة. المقال نشر باللغة الكتلانية بالجريدة الرقمية للخضر Sapiens [لم يقتسم معنا الكاتب المصادر التي اعتمدها في كتابة مقاله. حاولت الاتصال به لاستفساره حول مصادره لكن بدون جدوى. وأشكر أحد الاصدقاء حول إسهامه في ترجمة المقال]. بينما اعتمدت الباحثة الألمانية في بحثها على مصادر تاريخية كثيرة ومتنوعة، من بينها مذكرات كاسترو وتشي غيفارا.

حاولت الباحثة إعمال ذكائها من أجل تقديم خلاصات معززة بالمصادر تماشيا مع عنوان بحثها.

يعتبر البعض أن الزعيم الروحي لكاسترو وتشي هو الكاتب والباحث القومي الكوبي ” خوسي مارتي” الذي توفي سنة 1886، هذا بدون شك. لقد سبق لكاسترو أن أكد ذلك في كلماته، لكن يبقى ‘بايو’ الملهم والمؤطر العسكري والميداني للثورة الكوبية.

كيف أثرت تجربة عبد الكريم في الثورة الكوبية؟

تقول الباحثة الألمانية إنه لم يثبت أن زار تشي غيفارا عبد الكريم في مصر عام 1959، لكن من المحتمل أن يكون قد زاره، لأن ‘تشي’ كان يسافر باستمرار في ذلك الوقت، كما أن عبد الكريم كان يستقبل بانتظام الثوريين عبر العالم في القاهرة.

حدث ذلك أم لم يحدث، فإن كلا من ‘فيديل كاسترو’ و’تشي’ كانا معجبين بزعيم ثورة الريف وبتجربته. ويمكن العثور على دليل عن ذلك في مصادر مختلفة، بما في ذلك سيرة كاسترو الذاتية، حسب الباحثة، حيث يروي كاسترو في سيرته الذاتية كيف قرأ بعناية تجربة معركة أنوال سنة 1921، وأوردت الباحثة ما يلي بهذا الصدد:

“في عشرينيات القرن الماضي، شارك ‘فرانكو’ في حرب استعمارية بالمغرب، تكبدت قواته خسائر عسكرية هائلة في معركة أنوال (1921)، وفاقت خسائر الإسبان 3000 رجل. لقد درست هذه المعركة بتفصيل”. انتهى الاقتباس.

“فبالرغم من مرور قرن من الزمن تقريبا على ثورة الريف وأسر عبد الكريم، لم تتوقف الكتابة حول تجربته كما لم يتوقف إشعاع تلك التجربة”.

فبالإضافة إلى كل ما كتب حول ثورة عبد الكريم، يبقى العنصر الرئيسي في نقل تكتيكات “حرب العصابات” من تجربة الريف إلى الثورة الكوبية هو الكولونيل الكوبي ‘ألبرتو بايو’ الذي سافر في نهاية المطاف عبر العالم كمدرب عسكري، بعد مشاركته في حرب الريف إلى جانب إسبانيا. بل قبل الثورة الكوبية قام بتدريب مقاتلي ‘ساندينو’ في نيكاراغوا. لكن على عكس نيكاراغوا، كانت التكتيكات المطبقة في كوبا مستوحاة بشكل واضح من ثورة الريف، تقول الباحثة، ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في الطريقة التي نظم بها ‘تشي’ الدفاع في منطقة Sierra Maestra الجبلية بكوبا؛ بحيث إن حفنة من المقاتلين في الجبال يواجهون جيش دولة أكبر بكثير منهم عددا وعدة.

يمكن مقارنة ذلك، باستراتيجية الريفيين تجاه الجيش الإسباني للجنرال ‘سانخورخو’ في أنوال وجبل العروي، حسب الباحثة. وتقصد الباحثة هنا حرب أنوال التي خاضها عبد الكريم بعدد قليل من المقاتلين الذين لا يتعدى عددهم بضع المئات مقابل جيش إسباني مسلح ومنظم يقوده الجنرال ‘سيلفيستري’. فبمنطقة أعروي تمت محاصرة الثكنة الإسبانية واستسلام كل الجنود المتواجدين داخلها ومن بينهم الجنرال ” نبارو” بنفس الطريقة، تقول الباحثة. نفس الشيء حاول ‘تشي’ تطبيقه في كوبا من خلال محاصرته الثكنات اعتمادا على مجموعات صغيرة وبدون إطلاق الرصاص، استنادا إلى ابتكارات وابداعات حرب العصابات الريفية؛ كالكمائن ومحاصرة الثكنات – حسب الكاتبة- خاصة وأن التضاريس الطبيعية (الجبال) في منطقة الريف مماثلة لمنطقة Sierra في كوبا، فيمكن للمسلحين، المختبئين في الجبال، استهداف الجنود بسهولة مع مراقبة جميع الممرات.

شارك الكولونيل ‘بايو’ في الحرب بالريف بجانب إسبانيا كمجند في الجيش الإسباني، هناك أعجب ببسالة مقاتلي عبد الكريم لدرجة أنه درسها بدقة، تقول الباحثة.

شارك ‘بايو’ كذلك، لا حقا، بتجربته في الحرب الأهلية الإسبانية بجانب الجمهوريين ضد الانقلابيين بزعامة ‘فرانكو’ في عام 1936. فقد كان مناهضًا شرسا للفاشية وقاتل لعدة أشهر في صفوف الجمهوريين، لكن عندما تم تجاهل خطته في تحرير مدريد ومناطق أخرى عن طريق حرب العصابات، انتقل ‘بايو’ إلى أمريكا اللاتينية كمدرب طيران وخبير حرب العصابات، حسب الباحثة. حول اختلافات في وجهات النظر بين بايو وقيادة الجبهة الشعبية يتحدث الكاتب الكتلاني بتفصيل أكثر.

 لقاء ‘بايو’ مع ‘كاسترو’ و’تشي’

بمجرد معرفة ‘كاسترو’ بوجود ‘ألبيرتو بايو’ بالمكسيك سارع الى اللقاء به. حدث ذلك لأول مرة سنة 1952. كاسترو وتشي أبديا استعدادهما كشباب ثائر للاستفادة من تجارب الكولونيل ‘بايو’ الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 64 سنة، وحتى يربط الممارسة بالتثقيف الذاتي ألف كتابا أو دليلا حول حرب العصابات سنة 1955 تحت عنوان “150 سؤالا حول حرب العصابات”.  على شكل دليل لحرب ثورية في 150 حالة. يعالج من خلاله أغلب الحالات التي يمكن أن يصادفها المقاتل في الميدان. كمثال على ذلك؛ الحالة 26: “كيف يمكن اقتحام مركز للشرطة أو ثكنة؟”، حسب الباحثة.

إن أغلب الحالات التي تم تناولها في “الدليل” والخطط العسكرية التكتيكية تذكرنا بقوة بطريقة خوض عبد الكريم لحرب الريف (استلهام)، حسب الباحثة دائما، فمن بين التكتيكات المعروفة عن عبد الكريم نجد مثلا: الهجوم…التراجع… ثم الانتظار. وتتكامل هذه الخطة مع وجود قناصة ماهرين ضمن مقاتلي عبد الكريم وقيادة ميدانية صلبة وشجاعة، والتوفر على الاستخبارات. هذا ما يجعل العدو لا ينعم بالراحة ليل نهار، حسب الباحثة. هذه النقطة أشار اليها البروفيسور بيلفور بإسهاب في كتابه ” العناق المميت” (الفصل الثامن)، فبسبب اشتداد القتال من طرف مقاتلي عبد الكريم غير المرئيين اضطر العديد من مجندي اللفيف الإسباني والفرنسي الهروب من ميدان المعارك أو الاستسلام أو الانضمام إلى عبد الكريم وخاصة مع ‘مطلع 1923 وتحرير الشاون سنة 1924’، حسب بلفور.

في عام 1963 وصف تشي أسلوبه في حرب العصابات: “اضرب واهرب .. انتظر ..راقب .. ثم اضرب مرة أخرى”، بأنه أسلوب مستوحى من تجربة مقاتلي عبد الكريم، حسب نفس الباحثة، استنادا إلى كتابات ومذكرات تشي وكاسترو.

 ‘بايو’ في حرب الريف كمجند ضمن اللفيف الإسباني

يصف الكاتب الكتلاني Xavier Montanyà “بايو” بالرجل السلطوي والشجاع، حصل على لقب طيار سنة 1915 بيد أنه سيتم إعفاؤه من الطيران لاحقا بسبب سلوك غير مرغوب فيه. سيدمج ضمن اللفيف الاسباني ليدفع به في أتون حرب الريف كقائد حامية، حيث أصيب أربع مرات إصابات بليغة. لقد فوجئ “بايو” بتقنيات متطورة لإدارة حرب العصابات لدى مقاتلي عبد الكريم أثناء حرب الريف، والتي قادتهم إلى النصر في معارك حاسمة، أبرزها معركة أنوال عام 1921 ضد جيش تقليدي متفوق للغاية. ومنهم تعلم الكولونيل ‘بايو’ نظرية حرب العصابات و فنونها، والتي سينقل تقنياتها المبهرة لتلاميذه في أمريكا اللاتينية، حسب الباحث، ومن بين قواعدها: كسر الدائرة، التخريب، الاستطلاع، الهجمات الليلية والمفاجئة، “اللدغة والهروب” مثل النحل كما كان يصفها ‘بايو’، وهكذا إلى أن أصبح خبيرا في ما سمي بالحرب غير المتكافئة. انتهى ‘بايو’ مقتنعًا بأن القتال بذكاء اعتمادا على مجموعات صغيرة وبدعم الفلاحين، يجعل من رجال العمليات القتالية مجموعات لا تقهر. حسب الكاتب الكتلاني.

  ‘بايو’  ضمن الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية

في 18 يوليو 1936، تم القبض على “بايو” ببرشلونة في بداية انقلاب القوميين على الجمهوريين، لكن مع حسم الصراع لصالح الجمهوريين في منطقة كتالوتيا في بدايته، استعاد حريته ومكانه في الطيران، لم يتردد في ذلك الوقت من إعلان انضمامه إلى الحكومة المنتخبة ديمقراطيا.

في أوائل غشت 1936، حصل على تفويض من رئيس الحكومة الكاتلانية Generalitat La Lluís Company، لاستعادة جزر البليار، التي سقطت في أيدي المتمردين (قوات فرانكو) في أواسط يوليوز 1936 بعد إعلان فرانكو عن انقلاب عسكري في 17 و18 يوليوز من نفس السنة في جزر الخالدات وتطوان وسبتة. فباستثناء جزيرة مايوركا، استعاد ‘بايو’ ورجاله جزيرتي ‘فورمينتيرا’ و’إيبيزا’، مع تحرير الكاتب “رافائيل ألبيرتي’ و’ماريا تيريزا ليون’، اللذين كانا معتقلين في جزيرة “إيبيزا”، وذلك من خلال اعتماد اساليب حرب العصابات التي تعلمها في حرب الريف، حسب الكاتب الكتلاني.

لكن الإنزال في جزيرة “مايوركا” من طرف ‘بايو’ في يوم 16 أغسطس 1936 لم يكن حسب ما تم التخطيط له. فوجد “بايو” نفسه في ظروف متدنية لأنه لم يحصل على الدعم والإمداد الذي طلبه من الجمهوريين، حسب الكاتب. بالإضافة إلى ذلك، فقائد فيلق فرانكو، Joan March لم يتردد في استعمال طيران الفاشية الإيطالية ضد قوات “بايو”، فلم يتمكن هذا الأخير من ردع الانقلابيين، حسب الكاتب. فنظرا لتأخر الإمدادات والعتاد لم يعد أمام ‘بايو’ سوى خيار الانسحاب بعد قتال استمر أكثر من ثلاثة أسابيع فوق جزيرة مايوركا. مع العلم أن كل المؤشرات كانت ترجح الكفة لصالح ‘بايو’. وهذا بشهادة أحد المقاتلين (غابرييل فوستر مايان) في صفوف قوات فرانكو، الذي دون يوميات القتال على هذه الجزيرة، والتي تم نشرها لا حقا في كتاب تحت عنوان ” إنزال ‘بايو’ في مايوركا”. يقول هذا المقاتل حول إنزال ‘بايو’ في ‘مايوركا’ لو أن هذا الأخير طبق فعلا تكتيك حرب العصابات، كما حصل مع الجزر الأخرى، لاكتسح الجزيرة في رمشة عين، خاصة أنه كان يحاصرها من كل الجهات تقريبا، لكن انشغاله بحفر الخنادق أعطى الفرصة لقوات فرانكو لتنظيم دفاعاتها واستدعاء طائرات موسوليني من أجل حسم الموقف.

بعد فشل تحرير جزيرة مايوركا سيحال ببرشلونة على مجلس الحرب الذي كان قاسيا معه، حيث تم اتهامه من قبل الرئيس البارز للجنة الميليشيات التابعة ‘للفوضوي’Joan Garcia Oliver بالتهاون والخيانة. كان على وشك الحكم عليه بالإعدام، ولكن تم الإفراج عنه في الأخير.

تم تعيين “بايو” من جديد في مهام سرية ومراقبة تطور الصراع لمساعدة وزير البحرية والجوية في حكومة الجمهوريين، Indalecio Prieto. وتحت شعار الحرب ستكون من نصيب ‘المحاربين’ (يقصد رجال العصابات) أقام معسكرات تداريب لإنشاء فرق العمليات الخاصة وإنشاء سرب خاص من الطائرات (كاميكاز) لمهاجمة مراكز القيادة المتنقلة لضباط العدو. لكن وزير القوات البحرية والجوية Prieto رفض تماما استخدام هذه التقنيات التي اعتبرها ‘عملا إرهابيا’، حسب الكاتب.

عودة ‘بايو’ إلى المكسيك ولقاءه بقادة الثورة الكوبية:

بعد خلافه حول سير المعارك وخطة الحرب مع قيادة الجبهة الشعبية بإسبانيا سيرجع ‘بايو’ إلى منفاه بالمكسيك والحرب الأهلية بإسبانيا لم تضع أوزارها بعد. لم يستسلم لمجرد خسارة حرب بل بدأ بحبك ‘مؤامرات’ سرية لفرانكو من خلال تدريب شباب أكفاء، مناهضين له وللفاشية، في فن حرب العصابات في منطقة بحر الكاريبي، حسب الكاتب. من بين هؤلاء الشباب كاسترو وتشي وكاميلو وراؤول. كان طلبهم له هو أن يساعدهم في اكتساب تقنيات حرب العصابات من أجل تحرير كوبا. قبل ‘بايو’ العرض وكله ثقة بنجاح مهمتهم. مع إبداء أسفه في إهمال خطته من طرف الجمهوريين بإسبانيا أثناء الحرب الأهلية مما أدى إلى سقوط إسبانيا في يد الفاشية في الأخير. لخص فكرته على الشكل التالي: “أردت تطبيقه (حرب العصابات) في إسبانيا خلال الحرب الأهلية وتم تجاهله […] لو تم الاستماع إلي، لكانت الأحداث مختلفة”. صحة هذا الكلام يؤكده بشكل قاطع خبير التاريخ العسكري الاسباني “أنتوني بيفور”، بحيث يرى أنه لو تم الدمج بين الحرب التقليدية وحرب العصابات من طرف قيادة الجمهوريين لكانت الطريقة الأكثر كفاءة والأقل خسارة في مقاومة فرانكو”، من كتاب إنزال بايو في مايوركا.

بعد نجاح الثورة الكوبية وإسقاط نظام العمالة ‘باتيستا’، سيتم استقبال ‘بايو’ في ‘هافانا’ بكوبا كبطل قومي مع ترقيته من طرف الرئيس كاسترو إلى رتبة جنرال.

رحيل ‘بايو’ وجنازة رسمية بحجم رجل دولة

قال لأصدقائه الكوبيين بسخرية وهو على فراش الموت: “لولا التهاب المفاصل، السكري، الجلطتين، العين الزجاجية والجروح بالرصاص التي أثخنت جسدي (14 إصابة)، لكنت مثل الأسد”. توفي ‘بايو’ في منزله بهافانا في 4 غشت 1967. نظم له كاسترو جنازة مهيبة تكريما له تليق بمستوى جنرال. كما تم وضع تمثال نصفي من الحجر بجانب قبره وفوقه بضع كلمات من تلميذه تشي خلدت شخصيته. تلميذه المفضل تشي كان حينها في بوليفيا. وقال في حقه:” أستطيع أن أقول ان جنرال بايو أستاذي”.

خاتمة

إن النجاح الباهر لثورة الريف أثبت أن المهارات التكتيكية ووجود قيادة شجاعة، إلى جانب البيئة والتضاريس الطبيعية التي تخاض فوقها الحرب يمكن أن تقود إلى نصر على جيش أكثر عددا وعدة. مما جعل من هذه التجربة محط دراسة واهتمام من طرف العديد من الحركات الثورية المسلحة عبر العالم (الصين، كوبا، فيتنام، فلسطين، ليبيا، الجزائر…). بل ليس من الصدف أن يصرح تشي غيفارا أثناء زيارته لعبد الكريم بالقاهرة سنة 1959 بما مفاده:” لقد أتيت لزياتك خصيصا لأتعلم منك أيها الأمير”. هذا التصريح يوحي كما لو أن ‘تشي’ جاء للبحث عن معلمه الحقيقي/” المجهول”. فقط لم يتم تغطية وتوثيق هذا اللقاء التاريخي. بل حتى الصور التي تم أخذها لهما بالقاهرة لم تنشر وليس لها أثر.

فلو نشرت هذه الصور، مباشرة بعد نجاح الثورة الكوبية طبعا، لصار حدثا عالميا كبيرا. هذا ما دفع الباحثة الألمانية لطرح السؤال إن حدث هذا اللقاء فعلا.

مسألة انتقال تجربة عبد الكريم إلى أمريكا الجنوبية عبر الكوبي الكولونيل “ألبيرتو بايو” تناولتها كتابات وأبحاث أخرى وليس فقط الباحثة الالمانية والكاتب الكتلاني. جزء منها أشارت إليها الباحثة الالمانية نفسها، والجزء الاخر صادفته وأنا أبحث في هذه العلاقة.

بالإضافة الى دوره في تطوير حرب العصابات، وخاصة تجربته في اقتحام الجزر من بينها جزيرة كوبا أصدر ‘بايو’ ما يقارب 23 كتابا حول القضايا السياسية والأدبية والشعر والتجارب الثورية من بينه كتاب تحت عنوان: ‘مساهمتي في الثورة الكوبية’ صدر سنة 1960.

ملحوظة: هذه المحاولة هي جزء من بحث مطول حول دور ‘بايو’ ومقاتلين أجانب أخرين في الدفاع وإغناء تجربة عبد الكريم.

أمستردام 16 يوليوز 2020

جمال الكتابي، حقوقي ومهتم بتاريخ الريف

Comments

comments