إبراهيم بوحولين*: حين يتكلم المرء فيما لا يُحسن.. ملاحظات عامة حول تدوينة للأستاذ أحمد عصيد في مسألة السببية وتراجع العلوم لدى المسلمين

  • 0
إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين، باحث في الدراسات الإسلامية

نشر الأستاذ أحمد عصيد المعروف في الساحة الإعلامية والذي تُثير تصريحاته وآراؤه جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، تدوينة على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي (Facebook)، يوم 27 ماي 2020، عنونها ب: “إنكار السببية من عوامل تراجع العلوم عند المسلمين”، وقد أحببت أن أسطر ملاحظات عامة على هذه التدوينة لأسباب منها أن ما يصرح به عصيد كتابة أو صوتا يكون له ما بعده؛ ويُؤثر في عدد لا بأس به من المتابعين لما يقول ويكتب، ومن ثم فإن كل قول فاسد أو مغالطة تصدر منه يكون لها أثرُها في عقول وقلوب الأتباع.

قال الأستاذ عصيد في تدوينته بالحرف: “إن العديد من فقهاء الدين حاولوا الاهتمام بهذه العلوم فلم يوفقوا ولم يقدموا فيها شيئا يذكر، ومنهم الغزالي وابن تيمية”.

طبعا بإمكان أي قارئ لهذا الكلام أن يعترض ويُقدم في المقابل أسماء كثيرة ممن اشتغلوا بالفقه في الدين، فقرؤوا العلوم العقلية التي وفدت من اليونان عن طريق الترجمة (حديث عصيد هو عن العلوم العقلية)، وفهموها وطوروها وأصبحوا في ذلك سلطة، وهم لا يُحصون عددا إذا ما فتحنا كتب التراجم والطبقات والسير والتواليف التي اهتمت بالتأريخ للعلوم والأفكار لدى المسلمين. لكن طالما مثَّل الأستاذ للفقهاء الذين لم يُوفقوا في فهم العلوم العقلية ولم يُقدموا فيها شيئا يُذكر باسمين معروفين في مجالنا التداولي الإسلامي، هما: أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ)، وتقي الدين ابن تيمية (ت. 728هـ)، فلي الحق أن أعترض عن هذا الكلام، فأقول: لقد اهتم الغزالي بالعلوم العقلية وقدم فيها الشيء الكثير، ويكفي المرء أن يقف فقط عن عناوين بعض كتبه ليُدرك خطأ تقييم عصيد للغزالي. فقد كتب كتابا سماه مقاصد الفلاسفة تحدث فيه عن المباحث الفلسفية التي تلقاها المسلمون عن اليونان، وبعد ذلك كتب تهافت الفلاسفة، الكتاب الذي أبان فيه عن فهم كبير جدا لآراء ومواقف الفلاسفة في الإلهيات، إلى ذلك اهتم الغزالي بالمنطق الذي لا يختلف اثنان أنه من العلوم العقلية، وكتب فيه كتبا عظيمة النفع، منها: معيار العلم، ومحك النظر، والقسطاس المستقيم …، وله مقدمة منطقية لكتابه المستصفى في أصول الفقه يَعتبر فيها غير المحيط بعلم المنطق لا يوثق في علومه، بل إنه استعان بالمنطق لتجديد العلوم الشرعية وإحياء علوم الدين، فكيف صوغ عصيد لنفسه أن يقول في الغزالي ما قاله؟.

وإلى ذلك اهتم ابن تيمية بالعلوم الفلسفية والمنطقية واستوعبها، واعتبره المهتمون به -كالمستشرق الفرنسي هنري لاووست- من كبار الفلاسفة المسلمين، ومن قرأ رده عن المنطقيين، ودرء تعارض العقل والنقل، يقف بما لا يدع أي مجال للشك على قدرته عن تقييم الأعمال والأفكار الفلسفية والكلامية… وعلى عدم استيعاب أو ربما قراءة الأستاذ عصيد لهذه الأعمال أصلا.

بعد أن ساق عصيد كلاما معروفا لدى العامة والخاصة بخصوص تعريف السببية والخلاف الذي جرى بين الأشاعرة كفرقة كلامية سنية ضمن فرق إسلامية كثيرة، وساق نصا لابن رشد يرد فيه عن الغزالي في مسألة السببية، بعد هذا قال في سياق الاستنتاج: “رفض الفقهاء هذا المنطق معتبرين العلم هو معرفة ما في النصوص الدينية والسعي إلى تطبيقها، وقائلين بـ”جواز” حدوث الظواهر لا بضرورتها، منتصرين للمعجزات وخوارق العادة على نظام الكون المحكم”، في جهل أو تجاهل كبير أن الذي ساق كلامه في سياق الرد عن الغزالي، انتصارا للسببية والمنطق والعلوم العقلية في تقديره… نسي أن هذا الشخص هو ابن رشد الحفيد، الفقيه الكبير الذي كان قاضيا ومفتيا وفقيها يُطبق الشريعة بصرامة كبيرة لا تُخطئها أعين الناظرين في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المقارن والخلاف العالي، فعن أي فقهاء يتحدث والغزالي قد دافع عن المنطق، وابن رشد فقيه كبير !!!

أتبع الأستاذ عصيد الكلام قائلا: “هذا واحد من الأسباب الكثيرة التي جعلت العلوم لا تحظى بالاهتمام المطلوب بعد القرن الرابع، أي بعد فترة الغزالي”.

إن العلوم – هكذا بإطلاق- لم تحض بالاهتمام المطلوب بعد الغزالي، طبعا يعرف المهتمون فضلا عن المتخصصين أن القول بأن الغزالي هو صاحب الضربة القاضية للعلم والتفكير العقلي لدى المسلمين هي سردية استشراقية عتيقة رد عليها من رد من المتخصصين وأصبحت الآن متجاوَزة، لكن مع ذلك أقول: ألم يجد عصيد غير ابن رشد الذي عاش بعد الغزالي ليجعله سلطة معرفية يرد به على حجة الإسلام؟ ليقول به ومن خلاله إن العلوم لم تحظ باهتمام بعد الغزالي، ألم يستحي من ابن رشد نفسه الفيلسوف والمنطيق والشارح والطبيب الكبير؟؟؟.

هذا فضلا عن جعل عصيد الغزالي من أعلام القرن الرابع الهجري، وهذا يدل على ما يدل عليه من حظ الأستاذ عصيد من هذه المعارف التي نتحدث عنها.

* باحث في الدراسات الإسلامية

Comments

comments