محمد أمزيان: فضيلة العفو في زمن الشدائد

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

المجهودات التي تقوم بها بلادنا لمحاصرة تفشي وباء كرونا الذي يهدد حياة المواطنين، تستحق منا جميعًا الإشادة والتنويه، ولا يمكن بحال من الأحوال الاستهانة بمكامن الخطر الذي يترصد بالحياة في كل مكان، ما يستوجب الانضباط والتقيد بإجراءات الأمان. وإذا كانت دول متقدمة ماديًا وعلميًا، وتتحصن وراء ترسانة من المؤسسات الطبية الحديثة تجهيزًا وخبرة ومعرفة قد أربكتها سرعة انتشار الوباء المخيف، فدفعتها إلى اتخاذ إجراءات احترازية غير مسبوقة وكأنها في حرب مدمرة، فكيف ببلادنا التي تواجهها تحديات التنمية والتعليم والصحة والعمل وقلة الموارد.

ولعل الجانب الإيجابي في هذه الجائحة العامة، أنها كشفت عن المعدن الحقيقي للمغاربة من حيث الانضباط والالتزام والتآزر. فعند الشدائد تظهر القيمُ الحقيقية للإنسان المواطن؛ ذلكم المواطن الذي يسمو عن نوازعه الشخصية الضيقة، مُقدِّما المصلحة العامة التي فيها صلاحه وصلاح أخيه وبلاده. نعم، هناك حالات شرود ونشاز في المجتمع تستغل مثل هذه المصائب لتعبر عن انتهازيتها وقلة حيائها وغياب الحس الإنساني في اختياراتها وخروجها عن جادة الانتماء للقيم التي يتقاسمها عموم المواطنين في السراء والضراء. ومثل هذه الحالات الشاذة موجودة في كل زمان ومكان، وبها يُقارن الخير والشر، والخطأ والصواب، والتعقل والجنون.

وبما أن بلادنا تمر بهذه الظرفية الاستثنائية العصيبة، وبما أن حالة إجماع وطني عام تقف خلف المسؤولين وتدعمهم في طريقة تدبير هذه  الأزمة، بحيث إن الغالبية الساحقة من المواطنين تضع ثقتها أمانة بين أيديهم للعبور بسلام إلى بر النجاة، فإن هناك حالة إنسانية محزنة تعاني منها عائلات بأكملها، تستحق الالتفات إليها ليكتمل مشهد التضامن الإنساني بين المغاربة أجمعين، والعمل على طي صفحة الألم النازف من قلوب عائلات مجروحة في وطننا العزيز. ولا أعتقد أن خطوة الأمل في هذا الاتجاه ستقلل من هيبة الدولة أو تخدش من صورتها في الداخل والخارج، بل على العكس، ستكون بادرة حكيمة تسجل للبلاد بمداد الرحمة والمسؤولية والشجاعة.

“هناك حالة إنسانية محزنة تعاني منها عائلات بأكملها، تستحق الالتفات إليها ليكتمل مشهد التضامن الإنساني بين المغاربة أجمعين”.

قبل بضعة أسابيع أعلن المعتقل نبيل أحمجيق عن مساهمته في صندوق دعم مواجهة فيروس كرونا بكامل المساعدات المالية التي يتوصل بها شهريًا من عائلته، وهي بادرة نبيلة من مواطن يقضي حكما قضائيا بالسجن لعدة سنوات على خلفية “حراك الريف”. وأرى في هذه البادرة يدًا ممدودة للدولة التي تعد على كل حال بمثابة الأم الحنون؛ تقسو وتعفو وتتجاوز، ولا تنتقم من أبنائها مهما تعددت الأسباب واختلفت المسببات. وفي هذا السياق عبر كثير من المواطنين والفاعلين الحقوقيين والسياسيين عن آمالهم في إيجاد حل لملف المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ودعوا صراحة إلى إطلاق سراحهم لجمع شمل العائلات المشتتة بين اليأس والرجاء.

أعتقد أن الظروف الاستثنائية الحالية تقدم فرصة تاريخية لبلادنا كي تضع حدًا لمعاناة هذه الفئة من المواطنين، وبهذا تتهيأ أرضية ثابتة لتدبير وضع ما بعد زوال هذه الغمة، ولن ينسى المعتقلون وذووهم وكل المواطنين قرارا حكيما مثل هذا عندما تنجلي الأزمة، ولا بد أنها ستنجلي، وستوفر بالتأكيد لبنة صلبة في طريق إيجاد حلول لأسباب التوترات والاحتقانات التي شهدتها بلادنا في السنوات الماضية، مخلفة أنهارا من الشكوك وعدم الثقة بين المواطنين والدولة.

رجائي لدى المسؤولين في الدولة وأملي في حكمة قرارهم في هذه القضية الإنسانية، لا يقومان على أساس منطق الربح والخسارة، لأن الكل رابح في المُحصّلة. وطننا في  أمس الحاجة إلى رص الصفوف وترسيخ فضيلة العفو عند الشدائد، وفي حاجة إلى إرساء ثقافة التجاوز والمصالحة مع الذات واحتضان أبنائه مع اختلاف آرائهم ومواقفهم التي لا تفسد وشائج الانتماء إلى هذا الوطن الغني بتنوعه وتعدده. فلا مستقبل أمامنا إن ظلت القلوب مكلومة والجراح نازفة.

 

المساء، 27 مارس 2020

لقراءة المقال في المصدر: https://online.fliphtml5.com/ytsep/gehn/#p=1

Comments

comments