محمد أمزيان: عزيزتي كرونا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

عزيزي كرونا، 

لعل الأجدر بك أن أناديك “عزيزتي”،

أخاطبك اليوم وأنا أدخل أسبوعي الثاني من الحجز المنزلي. أغلقت علي أبواب بيتي طواعية، ليس خوفا منك، ولكن حماية لك من وعثاء الزيارات التي تقومين بها لكل  المواطنين بكل رشاقة وأريحية. تتفقَّدينهم في الأسواق والمدارس والمساجد والمجامع.

بالأمس توفيت جارتي ولم تجد من يصلي عليها ولا مكانا تدفن فيه. كانت آخر وصيتها أن تدفن بجوار زوجها، إلا أن هيبتك أجبرت أبناءها على استئجار مكان بجوار موتى النصارى. أعلم أنك لا تفرقين بين الديانات ولا الألوان والأعراق ولا درجة الغنى والفقر، ولا بين الحاكم والمحكوم، فالكل عندك سواسية كأسنان المشط، وهذا ما يحيرني فيك حقيقة، فتراني أتساءل: من أنت؟ من خلقك وسواك وعدّلك؟

“لقد نجحتِ في ما لم ينجح فيه جميع الطغاة، القدامى والجدد. ها نحن نتخلى طواعية عما تبقى لنا من حق في الشمس والهواء”.

هناك بعض ألسنة السوء تقول إنك صنيعة مختبر في مكان مظلم بعيد عن أعين المتطفلين، وأنك أيضا مجرد أداة في يد طغمة لامرئية من الجشعين المتحكمين بمصائر العالمين. وهناك من يؤكد جهرا بأنك جند من جنود الله لا نراها، وأنت أيضا لا نراك، وهناك من يستهين بقوتك ويجعلك مثل الزائرات العابرات العاديات.

عزيزتي المحترمة جدا،

لأول مرة أخرج اليوم من البيت، وآسف جدا إن خالفت تعاليم شريعتك الصارمة. رافقت ابني إلى الطبيب. لا تقلقي فلست أنت السبب، هو فقط يعاني من آلام في الركبتين. قيل لنا إن ذلك بسبب نموه. الشوارع خالية تماما إلا من بعض المارة الذين لا أتبين ملامحهم، فتعاليم شريعتك واضحة: ألاّ نتقارب، ألاّ نتعانق، ألاّ نتصافح، ألاّ نتزاور. لقد قلبت عزيزتي حياتنا رأسا على عقب.

أتفهم جيدًا، عزيزتي، أنك انزعجت من تصرفاتنا. كنا نسافر كثيرا، نعمل كثيرا، نتكاثر كالبق بلا فائدة، نقتل الضجر في المقاهي بين صفحات جرائد بالية، نتحدث في السياسة كلاما بلا معنى، فنشتم الحكام والسياسيين، وأحيانا نتجرأ فنطالبهم بحقوقنا في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم. الآن عدنا إلى رشدنا، تُبنا عن غينا فتجاوزي عن خطايانا المراهِقة.

عزيزتي الغالية،

فكرت أن أقيم لك تمثالا في الساحة العامة، إلا أنني لم أتعرف على تقاسيم جمالك. لا صورة شمسية لك أو رقمية أو وهمية على بطاقتك الشخصية. حتى الاسم الذي أطلقوه عليك لا أدري من سماك به. فارشديني يا عزيزتي إلى هويتك. ساعديني كي أصنع لك تمثالا يليق بهبتك وقوتك وجبروتك. لقد نجحتِ في ما لم ينجح فيه جميع الطغاة، القدامى والجدد. ها نحن نتخلى طواعية عما تبقى لنا من حق في الشمس والهواء. ها نحن تستعطف الجيوش لردعنا عن غينا. ها نحن نستجدي الحكام ليغلقوا خلفنا أبواب بيوتنا، وإذا استمرت زياراتك لنا فسنستجدي الحكام لفتح أبواب السجون أمامنا.

عزيزتي الجميلة،

لا شك أنك قد لاحظت أن الإنسان عاد إلى طبعه. أصبح أنانيا، جشعا، جزوعا هلوعا، لا يسأل عن جاره كيف أمسى ولا عن صديقه كيف أضحى ولا عن الجائع والفقير والعاطل عن العمل والمريض. بفضلك وكرمك عاد الإنسان إلى غريزة ما قبل الحيوانية. أصبح كائنا بلا عقل ولا عاطفة ولا مبادئ.  لقد كشفت الإنسان على حقيقته العارية من رتوش الأخلاق والتربية والقيم. وهنا يتوجب علي، عزيزتي، أن أقدم لك واجب الشكر والعرفان.

عزيزتي،

أكتب إليك هذه الكلمات وأنا أطل من نافذة بيتي الذي تحول إلى سجن إرادي. لا تقلقي علي، فأنا سعيد بهذه السلاسل الناعمة، ولا أستحق الحرية التي كنت أنادي بها عن جهل، ولا أشعة الشمس التي لم تجد من يؤنسها في وحدتها..

الطيور خارج الأسوار عزيزتي، تعلمت ألا تحلق عاليا.

Comments

comments

تسجيل للأحداث

  1. عبد الصمد Reply

    عزيزي محمد,

    ناديني بعزيزي او عزيزتي بالنسبۃ لي فالامر سيان فانا لا اخضع لمعايير الانوثۃ او الذكوريۃ كما هو الحال لديكم معاشر البشريۃ!
    لم تكن من عادتي ان اتواصل مع بني البشر بهذه الطريقۃ وهذا الاسلوب. فنحن الفيروسات بطبعنا وكما خلقنا وتشكلنا نقوم بمهامنا كما امرنا. فنحن في عالمنا لا نتدخل حتی نری خللا ما. ونقوم بمهامنا المنوطۃ بنا الا وهي الفتك والتدمير والتخريب كما يراه البعض ولكنه قطع بيد من حديد كل من سولت له نفسه العبث بالتوازن البيءي والاخلال بالتوازن في الحياۃ كما يصوره الاخرون…الخ.
    لن اذهب بعيدا, فاليوم جوابي علی رسالتك كان بهذا الشكل وليست من عادتي ان اتواصل مع بني البشر بهذه الطريقۃ. مضمون هذه الرسالۃ انكم البشر لا تعلمون ماذا تصنعون بالطبيعۃ والبيءۃ والتوازن البيءي بصفۃ عامۃ. انكم-بنو البشر- لا تدرون كلكم ما الذي تصنعونه و وما ذا تكسب ايدي المفسدين منكم من فساد في البر والبحر.

    عزيزي محمد,

    سيشهد التاريخ انك الوحيد الذي تفقدتني وذكرتني عند قومك وبين اهلك من بني البشر بخير, وانت الوحيد الذي اعترفت بي وتجرات وخاطبتني بهذا الاسلوب. الكل يسخط ويلعن ويسب. و ينسی الكثير منكم انني من صنعكم وبما كسبت ايديكم. فلك مني التقدير…
    فلقد ظللت اصول واجول وافعل ما اريد حتی صادفت دعوتك ونداءك وفضولك هذا, فاحببت ان اتواصل معك وساجيبك لا باس واعرفك بنفسي:
    اولا ولانك الوحيد الذي ناداني بالعزيزۃ والحبيبۃ فاردت ان ارد جميلك واذكر واشكرك علی هذه الالتفاتۃ.
    وثانيا فانا لا انفذ الا اوامر اسيادي و ابواي امريكا والصين الذين لم يعترفا حتی هذه اللحظۃ بشرعيۃ البنوۃ. وبالتالي ساضل اعصي الاوامر وانفذ منها ما اريد كما يفعل الكثير من العصاۃ بينكم من سفاحين وقتلۃ ومجرمين الی جانب الطغاۃ والحكام الفاسدين و الجبابرۃ والطواغيت من فصيلتكم بني البشر.
    فانا كورونا التي لا تقهر ابنۃ غير شرعيۃ انحدرت من سلالۃ السارس والملاريا و….. لا تعرف الا الانتقام منكم. فعندما كنت صغيرۃ لم يهتم بي احد ولم يعترف بي احد ولا زال. ساظل اطاردكم. فانا لست من فصيلتكم الادميۃ التي تصبح كافرۃ وتمسي مومنۃ وتمسي كافرۃ وتصبح مومنۃ. فانا لا اعرف لا النفاق ولا المراوغات..(كود كود)

    فانا كورونا التي لا تقهر بالمرصاد للجميع. ساعيش ما قدر لي ثم انصرف و ربما اعود يوما ما لازوركم واتفقدكم ان استدعاني قاداتكم وقادات العالم من جديد ولو باسم اخر وفي حلۃ اخری كما سبق لسلالاتي الاخريات من الفيروسات السالفۃ الذكر….فلا تهتموا!
    قدموا لي الدعوۃ وساستجيب..هذا من جهۃ,

    ومن جهۃ اخری عزيزي محمد,

    فكما انني فتكت و قتلت و هتكت….فلابد انني قدمت معروفا وعملا خيرا في بني البشر وهو انني سويت بينكم لم يعد بينكم الغني يتكبر ويعلو علی الفقير بل سويت بينهما. ولا الحاكم في مامن من الشر عن الفقير بل جعلتهما يلتقيان في خط واحد. ولا الابيض باحسن من الاسود بل جعلت الكل يرتجف ويخاف ويصيح ويبحث عن مامن. فلقد عدلت بينكم واعدت مفهوم العدالۃ الاجتماعيۃ الی الواجهۃ التي طالما نسيها الطغاۃ والحاكمون.
    واخيرا وليس اخرا اوصيكم واترك فيكم وصيۃ فحواها انه مالم ياخذ بنو البشر باسباب الحياۃ الطبيعيۃ والعيش الكريم الا و عاشوا الضنك و الاضطراب. فخذوا العبرۃ والا ساعود اليكم في قادم السنين ولربما في حلۃ جديدۃ هذا وان تخليت عنكم اليوم.
    (وان عادوا عدنا)

    شكرا علی رسالتك عزيزي محمد
    كورونا العالميۃ

تبادل التعليقات عبد الصمد إلغاء الرد

الإسم *

البريد الالكتروني *

موقع الكتروني

التعليق *