محمد أمزيان: ثقافة الاعتذار

محمد أمزيان

محمد أمزيان

ليس الماضي كله أمجاد وبطولات، بل هو حمل ثقيل تتحمل الأجيال أوزاره عبر تعاقب الأزمنة والأمكنة. والتاريخ الذي يعد تلخيصا مشوَّها لهذا الماضي مليئ بجراح متوارثة تأبى ذاكرة الشعوب نسيانها أو تجازوها. ولنا في تاريخ منطقتنا صفحات مليئة بالآلام والدماء والصرخات. فكيف يمكن التعامل مع هذا الحمل الثقيل؟ وهل تزر الأجيال الحالية  وزر الأجداد؟ لماذا يأسرنا الماضي بأمجاده وآلامه؟

يختلف تعامل المؤرخين مع الماضي حسب مقدار احترامهم لمناهج البحث العلمي، والتاريخ علم من العلوم. وهذا يحدث بوضوح في المجتمعات التي تتوفر فيها أجنحة التفكير العلمي المستقل، والمتحررة كليا أو جزئيا من إسار الماضي الذي تحول عندها إلى مادة للبحث والدراسة، وليس إلى صنم مقدس تُقدم له قرابين العبادة. فالتاريخ في منطقتنا يظل حقلا محظورا على النقد وإعمال العقل، وما يزال مؤرخونا سجيني ثقافة التبرير واختلاق الأعذار والتمجيد المغلف بالأكاذيب والأساطير. وفي المقابل نرى من يُلقي إخفاقات الحاضر على ظهر الماضي داعيا إلى الانفصال عنه تماما دون فحص أو تدقيق أو استفادة.

“حينما نتحدث عن المنظومة السياسية في هذا المقام، فلا نقصد المنظومة الماسكة بزمام أمور الدولة وحدها، ولكن أيضا أدوات الحكم المُساعدة والمرافقة لها من أحزاب سياسية وإعلام ومؤسسات قضائية وأمنية وحتى مؤسسات دينية وثقافية وتعليمية”.

أعتقد أن الخروج من شرنقة الماضي يقتضي أولا التصالح معه، والتصالح مع الماضي لا يعني بتاتا انتقاء الصالح منه ونبذ الطالح، وإنما التسلح بالشجاعة الأدبية والاستقلالية الفكرية والصرامة العلمية للتعامل معه بما له وما عليه. ما الذي يمنع إذن من إعادة تركيب مسارات أنهار الدماء التي سالت نتيجة “الفتوحات” أو “الغزوات” الإسلامية على سبيل المثال؟ لماذا لا نعيد قراءة تاريخ “العبودية” في الثقافة الإسلامية كما تفعل كثير من المؤسسات العلمية الغربية وهي تقلب صفحات تجارة العبيد والاستعمار والعنصرية؟ لماذا يغض مؤرخونا الطرف عن السياسات الممنهجة لانتقام الأنظمة الحاكمة من معارضيها سواء أكانوا قبائل أو إثنيات أو تابعين لمذاهب مغايرة؟

إعادة تفكيك الأحداث التاريخية لا تعني “تصفية الحساب” مع جهة أو محاباة جهة أخرى، وإنما ترمي إلى هدف أسمى، وهو محاولة فهم ما جرى واستخلاص الدروس والعبر حتى لا تتكرر المآسي. ومثل هذه التجارب حدثت وما زالت تحدث في مجتمعات قررت في فترة صفاء ذهني مع الذات أن تتصالح مع ماضيها، فتعتذر إن أخطأت وبالتالي تمد يدها نحو المستقبل بلا عُقد. جرى هذا في جنوب إفريقيا، وفي أوروبا وفي غيرها من البلدان. صحيح أن من يبدأ المصالحة مع أوزار الماضي هم السياسيون بالدرجة الأولى، وكأنهم يصلحون أخطاء نظرائهم وزملائهم السابقين، وصحيح أيضا أن المصالحة مع الماضي تعد مخاضا عسيرا وموجعا، إلا أنها عملية ضرورية إن لم تكن حتمية للمضي قُدما. وبهذا يتم التأسيس لثقافة الاعتذار التي تنعدم تماما في مرجعياتنا السياسية والثقافية والدينية.

كان في تجربة “الإنصاف والمصالحة” عندنا في المغرب أمل كبير، إلا أنها اتخذت مسارات أخرى. ومع أنها فتحت فجوات في الجدار الرصاصي الذي يحيط بتاريخنا المعاصر، غير أن الخطوات العملية كانت عرجاء. هل المجتمع المغربي لم يصل بعد إلى تقبل فكرة التصالح مع ماضيه؟ هل انتفت شروط ومقومات الحياة في هذه التجربة؟ هل المنظومة السياسية التي استولدت تجربة “الإنصاف والمصالحة” لم تكن جادة في تغيير طريقة التعاطي مع إرث الماضي؟ أم أن عملية الولادة كانت مجرد عملية مِخبرية مصطنعة وذات أهداف محددة في الزمن؟

وحينما نتحدث عن المنظومة السياسية في هذا المقام، فلا نقصد المنظومة الماسكة بزمام أمور الدولة وحدها، ولكن أيضا أدوات الحكم المُساعدة والمرافقة لها من أحزاب سياسية وإعلام ومؤسسات قضائية وأمنية وحتى مؤسسات دينية وثقافية وتعليمية. فكل هذه المكونات التي تتأسس عليها المنظومة السياسية القائمة، لم تتشرب بعد من منابع “ثقافة الاعتذار” التي تنبع منها “ثقافة الاعتراف” و”ثقافة التصالح” مع الذات، ثم الانطلاق الحر والسليم نحو المستقبل.

هذا هو المنطلق في نظري للتحرر من القيود التي تجرنا إلى ماضٍ يُسقم الحاضر ويقتل المستقبل.

 

المساء، 13 مارس 2020

Comments

comments