رشيد المساوي: هل العالم موجود؟

  • 0
عبد الرشيد المساوي أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

عبد الرشيد المساوي
أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

السؤال أعلاه هو عنوان المحاضرة التي ألقاها الأستاذ مصطفى المرابط أمس (7 مارس 2020)  بدار الثقافة بالحسيمة. و يرجع الفضل في تنظيم هذا النشاط إلى “مركز الدراسات القانونية والإجتماعية” المعروف بإشرافه على إصدار مجلة “الخزامى”، والذي يتشكل من ثلة من الباحثين الشباب الواعدين. وإجمالا يمكن القول إن النشاط كان ناجحا في استقطاب المهتمين أولا، وفي تكسير روتين الجمود الثقافي الذي يطبع المدينة المحاصرة.

أما مضمون المحاضرة الذي شكل جوابا عن السؤال فيمكن تلخيصه في نقطتين أساسيتين:

أولا، تشخيص وضع العالم؛ وقد لخصه المحاضر بمفهوم “الأزمة”، ثم راح يبين مكامنها: سيطرة الحرب، تحكم السوق/المال (الاقتصاد) في الديمقراطية (السياسة)، خضوع العلم للتقنية، طغيان الافتراضي (الخيال) على الواقعي (الحقيقة)… ليستخلص من ذلك أن وجود العالم أصبح على المحك إذا لم يستطع الخروج من هذه الأزمة.

ثانيا، وكسبيل للخروج من مأزق العالم، وهو مأزق مرتبط أساسا بالحضارة الغربية المهيمنة؛ يدعو الأستاذ المرابط إلى ضرورة الانفتاح على الحضارات الأخرى والاستفادة من ثقافاتها المتنوعة. وهاهنا يعتبر أن أزمة العالم ليست مرتبطة بطبيعة الإنسان وفطرته، وإنما هي نتاج لثقافة خارجية عنه اكتسبها ومدارها على التملك (l’avoir) والمعرفة (le savoir) والسلطة (le pouvoir). وللخروج من شرنقة هذا الثلاثي المسبب للأزمة والمهدد لوجود العالم، يدعو إلى ضرورة ارتياد آفاق أخرى ويقترح واحدا منها وهو الإيمان (طريق الحق في نظره).

لقد نجح المحاضر في تبليغ رسالته والإجابة عن سؤال المحاضرة مستدعيا خاصة مفكرين غربيين (ميشيل سير، بودريار…). لكن وأنا أنصت للمحاضرة حضر إلى ذهني كتاب “إفلاس العالم الحديث” لسليم اللعيبي Laïbi. بمعنى آخر أن ما يطرحه (من الأطروحة) الأستاذ المرابط ليس جديدا، بل يكاد يشكل تيارا فكريا ما يفتأ يتنامى خاصة في “الجنوب”، فقط تختلف التعبيرات عنه. ويشترك المنتمون إلى هذا التيار في تحميل الغرب مسؤولية الأزمة التي يعرفها العالم، ويقترحون المخرج الديني للخروج منها، كما يلجأ أغلبهم في تدعيم نقده للحضارة الغربية إلى نقد بعض المفكرين الغربيين أنفسهم لهذه الحضارة لإعطاء مصداقية لهذه الأطروحة عملا بمقولة “وشهد شاهد من أهلها”. لكن – وهذه مفارقة – يتبنون هذه الانتقادات ولا يتبنون الاقتراحات التي يطرحها هؤلاء المفكرون “الغربيون” للخروج من الأزمة! وهذا النمط من التفكير – في نظري – يكشف عن عجز ذاتي في تدافع الحضارات، ويفرض طرح السؤال الحقيقي “هل نحن موجودون؟” بدل السؤال المزيف “هل العالم موجود؟” أي أن الأزمة هي أزمة الذات حتى قبل احتكاكها بالغرب، وليست أزمة قادمة إليها من خارج نتيجة هيمنة ثقافة الثلاثي المشار إليها أعلاه. ثم إن الحضارة الغربية – وهي غير مرتبطة ضرورة بجغرافيا معينة – هي استيعاب وتجاوز لكل الحضارات السابقة عليها، لذلك استطاعت أن تتسيد العالم لقرون وستظل كذلك إلى أجل غير مسمى في المدى المنظور بعيدا عن المنظور الخلدوني لدورة الحضارات، لأنها أولا تعترف بأزماتها وتبحث عن مخرج لها باتباع طريق الحقيقة المحايث والمجابه لما هو كائن، وليس طريق الحق المتعالي والمتباكي على ما يجب أن يكون.

ما قلته أعلاه يبقى مجرد رأي؛ أي أنني أفهم وأتفهم جيدا أن يختار الفرد مسلك إدارة الظهر للعالم كخيار فردي، سواء تم ذلك بتوابل فلسفية أو شعرية أو دينية، وهو مسلك مريح ذاتيا من ضجيج العالم المعاصر وأسئلته المقلقة للتفكي؛ لكن مسلك الاستقالة الفكرية هذا لا يمكن أن يشكل جوابا مجتمعيا عن تحديات العصر لأنه نتاج – ما سميته في مداخلتي في الندوة – فكر ماضوي وانهزامي مسكون بالخوف من المستقبل رغم إدعائه التسلح بالإيمان.

Comments

comments