محمد أمزيان: وجع البوح.. قراءة في كتاب “رحلات البحث عن جذور الضباب”

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

“رحلات البحث عن جذور الضباب” هو العنوان الجامع للكتاب الذي أصدره الأستاذ المفتوحي أحمد بوقراب في جزئين: الجزء الأول “من الحسيمة كانت البداية”، والجزء الثاني يحمل عنوان “وفي فاس كان الانبهار”، عن مطبعة الخليج العربي بتطوان – 2019. لماذا يبحث الكاتب عن “الجذور” وهو الذي جاهد على مدى صفحات الجزئين (ما يربو عن 700 صفحة) للتخلص من هذه الجذور والانطلاق إلى آفاق أوسع وأرحب؟ ألم يكن في الحقيقة يسعى إلى البحث عن قمة الضباب، إن جاز التعبير، لكون جذوره مغروزة في قريته التي قرر الانفلات من طوقها؟

صنف المؤلف عمله في خانة السيرة الذاتية كما هو مثبت تحت العنوان، مع أنه أكد في المقدمة على ترك حرية الاختيار للقارئ كي يضع تصنيفا لهذا المولود. وفي اعتقادي فهي ليست سيرة ذاتية في مفهومها الأدبي الذي يقتضي نوعا من الصرامة الإبداعية، ولكنه بوح قاس للذات المأسورة في إحدى هوامش الريف، وكأن صاحبه يريد التحرر من وزرٍ أثقل كاهله. وهنا تكمن الشجاعة الأدبية لدى المؤلف، لأن البوح تعرٍّ في المقام الأول، ومحاولة ترميم لجراح الذات والمصالحة معها في المقام الثاني. وبهذا الاعتبار لا يمكن مساءلة الكاتب عما إذا كان صادقا في بوحه، أو محاسبته عن النقص الذي قد يشوب عملية السرد أو مطالبته بالبوح الكامل وهو ما يمكن تسميته بالتعبير الدارج “تقديم الحساب” عن كل تفاصيل ماضيه. يكفي قليل من البوح لإعادة تركيب الصورة العامة لشاب لم تعد قريته تلبي رغبته في “الهروب” من إسار الثقافة والتاريخ والجغرافيا والتقاليد. ولذلك نراه كلما اكتشف جديدا إلا ودفعته جناحا الرغبة لاكتشاف المزيد. أضف إلى ذلك أن الإطار الثقافي والتاريخي الذي تكونت فيه شخصية الكاتب ليس إطارا جامدا، وإنما يدخل في دينامية متحولة فرضتها ظروف لم يكن الأستاذ بوقراب هو المتحكم فيها، إلا أنه تشرّبها وأدركاها بوعيه الفطري فأراد مسايرتها دون انجراف أو انقياد، تاركا مساحة بينه وبين رياح التغيير العامة. يمكن القول إنه كان على وعي تام بمخاطر الخطوة التي أقبل عليها، وعلى إدراك تام بثقل الحمل المُغلف برداء ثقافي محافظ يصعب خدشُه بلا خسائر.

لقد غامر المؤلف وهو يقوم بعملية المكاشفة الذاتية، ويُقدم على تعرية الواقع الذي وجد فيه نفسه سجينا. والمغامرون هم الرواد حتى وإن كان زادُهم الألم. ولكي لا يحمل الكاتب ذنب المكاشفة المضنية وحده، استعان بما أسماه في المقدمة التوضيحية بـ “فريق” متكامل يتكون – حسب قوله – من “شباب قطعوا الحبل من وسط حظيرة البقر وانطلقوا هاربين بحثا عن الجديد” (ص.13). لم يفسر الكاتب طبيعة “حظيرة البقر” تلك، ولكننا نفهم أنه لا يقصد النيل من مجتمعه الريفي الموثق بحبل التقاليد، ولكنه يعني أن “البحث عن الجديد”، يقتضي النأي عن القديم، وهي دعوة جريئة نشم منها رائحة التمرد الثقافي العاطفي وليس التمرد العقلي الذي يؤدي إلى القطيعة التامة. لذلك نراه يعود إلى قريته أي إلى “جذور الضباب” كلما شعر بنفاد طاقته الروحية، فلا يجد مكانا لتجديدها إلا في تلك القرية التي ظل وفيا لها إلى اليوم.

وعندما قرر إقحام “فريق” من مُجايليه الشباب ممن يتقاسم معهم نفس الرغبة في الانطلاق أو الهروب، كما يقول في سرديته الذاتية، فإنه لم يكن يريد أن يشق الطريق وحيدا. كان لا بد له من شهود؛ “شهود إثبات أو نفي”، حسب تعبيره، يستند إليهم ويستحضر أجزاء من صورهم لتكتمل صورته هو فيهم. فحينما يتحدث عنهم فإنه في العمق يتحدث عن نفسه، يرسم “بورتيهات” عنهم وفي الواقع يرسم شذرات من صورته الخاصة به. ولذلك لا يمكن للقارئ أن يحاسبه عما إذا كانت “بورتيهات” فريق العمل المرافق له مطابقة لواقعهم أم لا، لكونها مطابقة أو متطابقة مع ما عايشه هو كذات واعية، متمردة ومغامِرة.

“لقد غامر المؤلف وهو يقوم بعملية المكاشفة الذاتية، ويُقدم على تعرية الواقع الذي وجد فيه نفسه سجينا. والمغامرون هم الرواد حتى وإن كان زادُهم الألم”.

من أول الكتاب يحيلنا الكاتب، في صيغة مجموعة من الأسئلة المفتوحة، إلى الدوافع التي جعلته يقوم ببعض الأشياء الغريبة عن مجتمعه، مثل التراسل مع الجنس الآخر أو المواظبة على تسجيل يومياته أو ولعه بالسينما وبحثه الدائب عن الحب، وولعه بالسفر دون التخلي عن الرغبة في التحصيل العلمي والمعرفي أو البحث عن الوطن الحقيقي، فيقدم مجموعة من الاحتمالات دون فرض جواب قاطع. يمكن إعادة طرح نفس الأسئلة الآن على المؤلف ومطالبته بالجواب الصريح ما دام الأمر يعنيه هو. فلماذا ترك كل الأبواب إذن مشرعة أمام الاحتمالات والتأويلات والتخمينات؟ هل هو الخوف الذي يسيطر على كل من يروم دخول غمار البوح؟ هل هو القلق من فتح جراح جديدة وهو الذي أراد ترميم جراحه الذاتية عن طريق الكتابة والمكاشفة؟

ما يمكن استخلاصه من هذه الرحلة الذاتية أن الكاتب يتحدث عن نفسه، يصف التموجات التي كانت تتعبه هو كذات باحثة عن الجديد، وبالتالي لا يمكن أن نطالبه بالإنصاف أو الاعتراف كما يفعل المُذنب أمام كاهن الكنيسة طلبا للصفح والغفران عن الذنب. الكاتب ليس مذنبا إن لم يقل كل الحقيقة أو أنه غيّر شكلَ ما دوّنه في سن المراهقة ليتلاءم مع شخصية الكاتب في زمن النضج، أو مسك العصا من الوسط في قضايا سياسية حساسة. فهو يعترف بشجاعة نادرة أنه نأى بنفسه عن التجاذبات السياسية والأيديلوجية والثقافية، واعترف كذلك أن ما دونه تغيب عنه الموضوعية. يقول وهو يتحدث عن المشهد السياسي بُعيد الاستقلال (ص. 16): “دونتُ هذه الأحداث بواسطة قلم ينتمي صاحبه إلى اليمين واليسار، فغابت عن هذا التدوين الموضوعية والحقيقة المجردة من كل انتماء”.

وعلى قدر اهتمامه بكثير من القضايا الثقافية والمجتمعية في الفترة المبكرة من الاستقلال، إلا أنه ابتعد عن الخوض في الأمور السياسة في المرحلة التي توطدت فيها الدولة المركزية بعد الاستقلال وخاصة في العقدين الأخيرين، فهو ليس مؤرخا يسرد أحداثا وقعت ويعمل على تفسيرها وتأطيرها نظريا، وليس رجل سياسية أعماه الانتماء الحزبي ويبتغي تصفية الحساب مع خصوم سياسيين محتملين، كما أنه ليس عالم اجتماع يرصد التغيرات في محيطه القريب والبعيد، ولا باحثا في العلوم السياسية وما إلى ذلك من الحقول المعرفية التي تقتضي اتباع منهجية معينة أو وحدة في الموضوع. الأستاذ المفتوحي لم يتقيد بمنهج معين ليبين مدى صرامته العلمية ولا أسفاره المعرفية، بل ظل وفيا لذلك الفتى الريفي الذي قرر ذات يوم خلع لباسه التقليدي أو “نظارته السوداء”، كما يقول والقطع مع الخرافات المتوارثة والتكلس الذهني في محيطه القروي، ليدخل غمار “العصرنة” كما كان يفهما هو، فسافر وتعلم واشتغل بالتجارة وأحب عن بعد، وعبر عن آرائه في الفن والشعر والأدب وحتى في الموروث الديني الذي كان يعد قلعة منيعة لا تصلها رياح التجديد.

القارئ للكتاب سيجد فيه المؤنس في الطريق لأن الكاتب يحدثك بأريحية عن الأم المنشغلة بتدبير شؤون حياتها بعيدا عن الزوج، سيجد فيه غياب الأب الذي بقيت صورته باهتة على مدى الجزئين، سيجد فيه الطالب المجد للحصول على المعرفة، سيجد فيه المراهق القلق الذي وجد نفسه حرا وبلا مراقبة أبوية. فماذا يفعل بحريته؟ سيجد فيه شخصية تحب الحياة بلا مبالغة، تستمتع وتُمتع، شخصية لبقة لا تحب جرح الآخر. ومع أن الكاتب تعرض لصدمات كبيرة في حياته، إلا أنه لم يحقد على أحد وظل وفيا لذلك الفتى الريفي الأصيل رغم أنه تمكن من الهروب من “حظيرة البقر”؛ أي سلطان التقاليد والخرافات والجمود.

 

المساء، الملحق الثقافي، 4 مارس 2020

Comments

comments