محمد أمزيان: الثوابت المغربية

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

يحيل مفهوم “إعادة التربية” إلى العقاب. في الأنظمة التي تؤدي فيها المؤسسة القضائية دورها، يكون العقاب بالسجن، أي سلب حرية الفرد الذي قام بعمل يراه القضاء خارجا عن القانون السائد. وفي الأنظمة الشمولية تكون “إعادة التربية” في معسكرات خاصة، وقد أخبرنا التاريخ بنماذج يُندى لها جبين الإنسانية. ستالين كان “يعيد تربية” معارضيه في معسكرات سيبيريا القاسية، وهتلر خطط لإبادة مجموعات بشرية كاملة تنفيذا لنظرته العنصرية، وإيطاليا الفاشية شنقت منتقديها في الساحات العامة، وفرانكو شتت معارضيه على السجون والمنافي ومعسكرات “إعادة التربية”. في رواية “المزحة” للروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا توصيف روائي رائع لمعنى “إعادة التربية” في نظام يرى كل شيء من “ثوابت” الحزب الحاكم.

في إحدى الخرجات الانتخابية الأخيرة، بشر زعيم حزب الأحرار السيد أخنوش كل من يخرج عن “ثوابت” البلاد بإعادة تربيته، بل نزع عنهم مغربيتهم. والسؤال الذي يمكن طرحه بعجالة هنا: بأي صفة يحق لزعيم حزب أن ينزع صفة الانتماء للوطن عن مجموعة من المغاربة يتهمها بعدم احترامها للثوابت المغربية؟ ألا يدخل نداؤه الصريح هذا في باب التحريض على العنف، وهو ما يعني ضرب الثوابت المغربية في مقتل؟

“ثوابت المغرب ليست في ترديد الشعارات أو تقديسها، فالدستور الأخير أزال القدسية حتى عن المؤسسة الملكية فما بالك بالشعارات الأخرى.”

لا يمكن فهم أو تفهم تصريح السيد أخنوش إلا في إطار سياسة التحريض المباشر والاستقطاب القاتل للعمل السياسي الذي يقتضي الاختلاف كأساس، بل هو التغوّل السياسي الأحادي؛ وهذا هو المس الحقيقي بالثوابت المغربية التي حددها الدستور المعمول به. لم يكن السيد أخنوش غير موفق في تصريحه الأخير فحسب، بل اقترف عملا يناقض دستور البلاد، وليست هذه أول مرة ينزلق فيها زعيم حزب الأحرار، فقد سبقته تصريحات أخرى لا علاقة لها بالسياسة ولا بالتدافع السياسي المشروع، بل هو الترهيب ذاته.

السيد أخنوش رجل أعمال ناجح، وهذا مما ليس فيه شك. إلا أن هذا النجاح لا يعطيه حق التصرف في رقاب الناس. فمنذ أن تسلم زمام قيادة حزب الأحرار، يتصرف وكأنه وصي على البلاد؛ فهو المنقذ من الضلال، هو الصادق الأمين، هو الوطني الوحيد، وهو الذي سيمضي بالبلاد إلى بر الأمان. غير أن الواقع يقول عكس ذلك تماما. فالحزب الذي تسلم قيادته كان وما يزال أحد الأركان الثابتة في الحكومات السابقة، وهو بالتالي طرف أساسي من بين الأطراف الأخرى التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس، ويتحمل مسؤولية هذا التردي أمام المغاربة الذين سئموا، في غالبيتهم العظمى، من تملص الأحزاب السياسية من مهامها في تقديم برامج سياسية تعالج الأسقام، تقدم الحلول للمعضلات الاقتصادية المزمنة، وتنتج حلولا للمشكلات الاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية التي تتخبط فيها البلاد منذ عقود.

ثوابت المغرب ليست في ترديد الشعارات أو تقديسها، فالدستور الأخير أزال القدسية حتى عن المؤسسة الملكية فما بالك بالشعارات الأخرى. أما التشكيك في ولاءات المغاربة فيشبه تشكيك المتطرفين في عقيدة من يخالفهم الرأي. أهذا ما يقصده السيد أخنوش؟ التأسيس لفكر سياسي إقصائي، وهو في الأساس تفكير فاشي؟

الثوابت المغربية هي القضاء على الفقر، محاربة البطالة، توفير الصحة للمواطن، الاستثمار في الإنسان المغربي عن طريق التعليم الجيد والسكن اللائق، وضمان الحريات التي نص عليها الدستور، ومحاربة الفساد. الثوابت المغربية هي القضاء النزيه والعدالة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة. الثوابت المغربية هي التوزيع العادل للثروات وفتح المجال أمام ذوي الكفاءات لخدمة البلاد. الثوابت المغربية هي الاستماع لصوت المواطن حتى ولو كان صوتا مزعجا. الثوابت هي أن يحس المغربي بإنسانيته في وطنه. هذه هي الثوابت، وهذا هو السبيل الوحيد  لكسب أصوات وقلوب المغاربة. أما التهديد بإعادة تربيتهم فهو أسلوب تجاوزه التاريخ، ولا يليق بمغرب يرنو إلى التأسيس لسلم اجتماعي مستديم، ومواطَنة قائمة على حرية الاختيار وحرية الاختلاف.

 

حُرر يوم 9 ديسمبر 2019  

Comments

comments