محمد أمزيان: لِم تركتنا يا أحداد؟

محمد أمزيان

محمد أمزيان

لا أدري إن كنت سأوفي الصديق محمد أحداد حقه بهذه الكلمات. أتذكر لحظة اللقاء الأول جيدا حينما لمحت ذات يوم طفلا يميل إلى السمنة جالسا في مقهى “ميرامار” بالحسيمة مع ثلة من أصدقائي الأساتذة في ثانوية البادسي. هذا المكان ما يزال محمد أحداد يزوره كلما قادته قدماه إلى الحسيمة ويوثقه بالصور، وكأنه يريد أن ينحت تمثالا لعروسة عرى البحر عن مفاتنها. “هذا التلميذ نبيه ومجتهد”، قال لي الأستاذ عبد الحميد االرايس وهو يقدم لي أحداد الصغير بين الكبار

وتمر السنوات، ثم حددنا لقاء في نفس المقهى، لم أعد أتذكر كيف تحدد اللقاء ولا من رتبه. كل ما أتذكره أن محمد أحداد كان آنذاك طالبا في المعهد العالي للصحافة وصحفيا متدربا في “المساء”، وكان خجولا باسما. من عادتي ألا أرى فارق السن بيني وبين جليسي، ومحمد أحداد ليس من جيلي ثم إن هجرتي الطويلة علمتني ألا أحكم على الأشخاص من خلال عمرهم أو شكلهم، ولكن من خلال أفكارهم ومعرفتهم. كان الصغير محمد كبيرا في أفكاره وواسعا في ثقافته الأدبية وملما بأدوات الصحافة وكأن عقودا طويلة من الزمن طحنته في أتونها. لم يُظهر محمد كل هذا، ولم يسع إلى إظهاره. كان خجولا جدا معي، يغطي خجله بابتسامات متلاحقة سرعان ما تحولت إلى ضحكات وقهقهات أثارت بعض الجالسين قربنا. ثم افترقنا لنحدد موعدا آخر.

“كنت أتساءل مع نفسي: كيف سيتعامل محمد أحداد مع هذا الزخم الشعبي العارم؟ كيف يستطيع التوفيق بين جذوره النازفة وبين ثقل مسؤولية الكتابة الصحفية؟”

لاحقا سنتذكر معا ذلك اللقاء الأول. “كنت أسمع عنك، وكنت أرى منزلتك عالية”!! قال محمد ضاحكا. ربما كان ذلك ما جعله يحتمي بتلك الابتسامات والضحكات، إلى أن اكتشفت أن ذلك من صميم شخصيته البسيطة والمتواضعة. كلما التقينا أجده حاملا روايات وشعرا معه. “أين يجد الوقت الكافي ليقرأ كل هذا”؟ هكذا كنت أتساءل مع نفسي بفضول. لم أشك يوما في حبه للقراءة المكثفة، فكل مقالاته وتحقيقاته الصحفية تحمل نفحات بيّنة مما كان يلتهمه من رواية وشعر. أحببت متابعة ما يكتبه لأنه ابتدع أسلوبا صحفيا يعبق بالأدب. حتى تحقيقاته الميدانية، تحمل تلك النفحات الإبداعية الجميلة. حينما يتحدث عن أشخاص واقعيين يعيشون في واقع مزر، فكأنه يقدم لنا صورا عن شخصيات روائية. وأنت تقرأ مقالاته السياسية، فإنك تشعر وكأن هذا البقيوي البسيط عاش في دهاليز السياسة. كانت حاسته اللاقطة للأحداث فوق التوصيف.

وجاء حراك الريف..

كنت أتساءل مع نفسي: كيف سيتعامل محمد أحداد مع هذا الزخم الشعبي العارم؟ كيف يستطيع التوفيق بين جذوره النازفة وبين ثقل مسؤولية الكتابة الصحفية؟ أعلم أنه كان يتمزق من دواخله، لكنني أزعم أنه كان صادقا في كل ما كان يكتبه. فقد علمته حياته المهنية القصيرة ما لم يتعلمه غيره على مدى عقود. في مرات عديدة كنت أخشى عليه من “سوء الفهم”.. وكان هناك سوء فهم كبير ظهر في سيل الانتقادات والشتائم التي كان يتلقاها على مواقع التواصل الاجتماعية. لو كنت مكانه لهاجرت إلى المريخ، لكنه كان صلبا ومثابرا على تحري منابع الحقيقة كما يؤمن بها هو، لا كما يريدها الكثيرون أن تكون. كانت له مناعة عجيبة أمام كل الهجمات والضغوطات، وكان دوما باسما رغم يقيني أنه ينزف من الداخل.

في عز الحراك هناك، فقدت عملي هنا. أحسست بفراغ قاتل، أوقفت كل أنشطتي الكتابية فتهت في نفق مظلم. كانت فترة إحباط شاملة. كان يعلم ما أمر به. كنا في الحقيقة ثلاثة أشخاص نتقاسم هذا الإحباط الطاغي. صديقي لبيب فهمي في بروكسيل، محمد أحداد بين الرباط والدار البيضاء والريف وأنا هنا في قرية هولندية معزولة. كنا نحن الثلاثة نتاقسم إحباطاتنا بالقسطاس. ثم اقترح علي هو ولبيب أن أعود للكتابة، أن أجمع ما تناثر من منشوراتي السابقة وأجمعها في كتاب. وكانت ثمرة هذه النصيحة ثلاثة إصدارات “لعنة عبد الكريم”، “محنة الريف” و”دبلوماسية البارود”. 

أعلم يا صديقي أن خوضك غمار الهجرة لم يكن سهلا، لكن الله غالب. عد إلينا سريعا. فالهجرة تؤدي إلى الغربة، والغربة هي النفي، والنفي أشد من القتل.

صديقك،

Comments

comments