أمزيان جمال: لنُعد لمدينة الحسيمة بريقها الثقافي: أرضية قراءة كتاب “البحث عن جذور الضباب”

جمال أمزيان أستاذ باحث في التاريخ والتراث الريفي

جمال أمزيان

في البداية لابد من الإشارة إلى بعض الأفكار، وهي قضايا قد تتفاوت في أهميتها، لكنها تبقى من المعيقات في البحث حول المنطقة في شتى حقول المعرفة، وبالتالي، حسب اعتقادي، تظل هذه المعرفة سطحية، غير متناسقة وغير علمية.

القضية الأولى تتعلق بالأرشيف، فما زالت هذه الحاضرة التي نحن فيها لا تتوفر حتى الآن على أرشيف يتضمن مختلف الوثائق أو المؤلفات التي أنتجها إنسانها وإنسان القبائل المحيطة بها، بالرغم من أنها شهدت مولد علماء أجلاء، ليس في الزمن الحاضر فقط، بل حتى في ما مضى من الأيام، مرورا بالحقبة الاستعمارية التي لم تترك أي شاذة ولا فاذة، كما يقال، إلا ودونتها، بل أحيانا نجد في بعض أرشيفات هذه الحقبة حتى أوراق التسويد. والأمثلة على ذلك كثيرة، بعضها في المتناول، والبعض الآخر يحتاج إلى مجهود علمي ومادي ومؤسساتي، لكن دون إخضاعه للرقابة وما نسميه بالسكانير. وقد علمت مؤخرا أن المجلس البلدي قد مُنح أرشيفا عن المدينة من أحد الإسبان الريفيين، أي الذين ولدوا في هذه المدينة والقاطن حاليا في مدينة مدريد. ولست أدري ما مصير هذا الأرشيف، وهل وفر هذا المجلس البنية التحتية للاستفادة من هذا الأرشيف الذي ولا شك سيغني الخزانة المعرفية والذاكرة الجماعية لأهل المدينة.

ذ. أحمد المفتوحي بوقراب - أرشيف ذ. صديق عبد الكريم

ذ. أحمد المفتوحي بوقراب – أرشيف ذ. صديق عبد الكريم

القضية الثانية تتعلق بالتدوين. وفي هذا الصدد أنوه بالأستاذ أحمد بوقراب الذي، رغم بلوغه من العمر عتيا، فما زال يكافح ويناضل، ليس بالمفهوم السياسي للفظة، بل بالكلمة، بحفظ ذاكرة من عايشوه وحيث تعايشوا. والدليل على ذلك هذا المنتوج الذي أمامنا: “البحث عن جذور الضباب”. فهل للضباب جذور؟ وهل تمكن عبر هذا السفر المكون من جزأين أن يجد هذه الجذور، بمعنى أن يجد ضالته التي خرج يوما من تافنسا بحثا عنها والتي يلخصها على طول متون هذا الكتاب في الحداثة والعصرنة. فماذا يقصد بهذين المفهومين السوسيولوجيين الكبيرين والعريضين؟ لعلنا بعد الانتهاء من قراءتهما سنتمكن من الإجابة عن هذين السؤالين.

القضية الثالثة يمكن تلخصها في “مصيبتنا” ونفورنا من التدوين والكتابة. فبالرغم من دعوة الأوائل إليها لما لها من أهمية في تجاوز الشفاهي والاعتماد على الذاكرة وعن “ثقافة المقاهي” والتجمعات فقط، فما زالت النتيجة دون مستوى الطموحات إذا استثنيا بعض الإنتاجات المعدودة على أيدي الأصابع، ثم الطفرة التي بدأت تعرفها بعض حقول الإبداع مؤخرا كالمسرح مثلا. هذه الخاصية هي نابعة من سلوكنا ومن فرادتنا في إتقان العمل: إما أن نبدع فنتقن، وإما أن نصمت حتى لا نتعرض للنقد والانتقاد، إن لم نقل الاحتقار حسب مقولة: “مين غايغ وني، ياك سنغث مين يعنا”. ذلك أن مسألة تشجيع الآخر، مهما كان عمله، ليست من ثقافتنا ولا من سلوكنا الاجتماعي. هذه هي الخاصية التي آلينا على أنفسنا، منذ تسعينيات القرن الماضي، على تجاوزه، وقمنا بما قمنا به على حد المستطاع رغم المعيقات المختلفة، وما وقوفي أمامكم اليوم، وفي إطار التعريف بآخر منتوج فكري من إنتاج ريفي، إلا دليلا على ما أقول. هل أفلحنا في مهمتنا؟ أم لا؟ فالإجابة متروكة لكم لتحكموا، وفيكم من هو أخير منا وأعلم منا وأدرى منا، وأكثر تجربة منا. غير أن الكثير يوثر الصمت بعد أن أنهى مساره المهني حتى يلتحق بالرفيق الأعلى، فترافقه إلى مثواه الأخير مكتبة كان بإمكانها أن تغني رصيدنا الهوياتي والمعرفي والسياسي والتاريخي…إلخ.

القضية الرابعة، وعلى وجه المقارنة: كانت بالحديقة والتي تعرف حاليا ب”باركي ن شيتا” المجاورة للكنيسة بالمدينة مكتبةٌ غنية بالكتب، وجلها كان باللغة الإسبانية، وكان من بينها ما هو نادر اليوم، إن لم نقل مفقودا. وكنا نزورها ونحن تلاميذ بثانوية أبي يعقوب البادسي. وما دمنا نجهل اللغة الإسبانية فلم نستفد منها حتى ضاعت. لماذا ضاعت واندثرت؟ هذا سؤال لا جواب لي عنه، ومصالح البلدية أدرى. السؤال الذي يمكن أن أطرحه الآن: كيف يعقل، وفي مدينة تتوق إلى أن تصنف ضمن أحسن المدن الساحلية في العالم، لا تملك –على حد علمي- متحفا ولا مكتبة عمومية تضم بين دفتها وعلى رفوفها أرشيف المدينة، إن كان لها أرشيف ما، جمعته من المصالح والمؤسسات التي استلمت ذات يوم من أيام بداية الاستقلال (غشت 1956 على ما أعتقد)، أرشيف الإدارة الإسبانية. فأين هو؟ ولماذا تم التلاعب به؟. في الدول التي تدرك أهمية الأرشيف تخصص له أحسن جناح في بناياتها، مع تهويته الجيدة وإصلاح ما يمكن إصلاحه من وثائق، تنفق أموالا من أجل ذلك وتكوّن المتخصصين، لأنه ذاكرة الأمة التي يجب الحفاظ عليها. أما نحن، فقد قيل لي يوما، ولست أدري هل ما زال الأمر ساري المفعول إلى يومنا هذا، إن أية وثيقة تعدى عمرها العشر سنوات يمكن التخلص منها، وغالبا ما تجمع وتراكم تلك الوثائق في المخازن أو تحت الأدراج، فتعمل فيها الأرضة فعلتها. أتمنى أن يتغير الأمر بعد أن أصبح لدينا مؤسسة تعرف بالأرشيف المغربي، لعل وعسى. وفي هذا المقام، أضيف إلى هذه القضية أن الكثيرين من أهل المدينة والناحية لهم أرشيفهم الخاص، لكنه يعدونه “كنز” موضوع في صندوق داخل صندوق وسط صناديق، قد تدخل الجنة ولا تصل إليه. فلماذا؟ وقد يقول قائل: وأنت؟ أجيبه دون روية: إنهم لم يتركوا حجرا ولا ترابا دون إذابة، وبالأحرى الوثائق.

تقديم-كتاب-البحث-عن-جذور-الضباب-أرشيف-ذ.-صديق-عبد-الكريم

تقديم-كتاب البحث عن جذور الضباب – أرشيف ذ.صديق عبد الكريم

نعود الآن إلى الكتاب. إن ما قلته في ما سبق له علاقة به. فالكتاب، هو ذاكرة المدينة. ذاكرة شخصياتها التي طواها الزمن وبعضها تحت الثرى، والبعض الآخر أمامي هنا في هذه القاعة، وهو شرف لي أن أتعرف عليهم وأن أتواصل معهم. إن المؤَلّف يمكن اعتباره ذاكرة، ذاكرة أشخاص عاشوا ردحا من الزمن هنا، في هذا الفضاء الجميل، في “تغزويت” كما يسميها المؤلِّف، وساهموا في بنائها، نموها، خدماتها، مهما كانت مساهمتهم، سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا، فهم آباؤنا، أجدادنا، جيراننا، والتاريخ هو الحاكم بعد الله عز وجل. وهنا من الضروري أن أذكر لكم حكايتي مع هذا المؤلف/الكتاب.

ما حكايتي مع هذا الكتاب؟

صدفة التقيت بالأستاذ أحمد بوقرب الذي لقبته في التقديم ب”ذي اللقبين” في أحد أنشطة كلية الآداب بمرتيل. وبعد دردشة صغيرة عن الحال والأحوال، طلب مني رقم الهاتف حتى يتصل بي في غضون الأيام القليلة القادمة لأمر له أهمية قصوى بالنسبة له. لبيت طلبه دون روية قائلا: سيكون خيرا إن شاء الله.

بعد مدة اتصل بي وأنا القاطن بالرينكون يريد لقائي وتناول فنجان قهوة معي. قلت له: يا مرحبتين، كما يقول المشارقة.

في الموعد المحدد وجدني أنتظره في المقهى، وناولني مسودة كتابه هذا قائلا: أرجوك، أريدك أن تطلع عليها وتبدي ما استطعت إليه سبيلا من الملاحظات. وليكن في علمك أن هذا هو الجزء الأول فقط، وهناك جزءا آخر.

تنهدت في أعماقي ووجدت نفسي في موقف لا أُحسد عليه لاعتبارات متعددة: كون ظروفي الصحية لا تسمح للاطلاع على ذاك المنتوج الغزيز الذي يقارب الثمانمائة صفحة، والكتابة صغيرة بالنسبة لي مع مشاكل النظر، إضافة إلى كوني كنت منشغلا بموضوعين آخرين في نفس الآن. زد على ذلك أنه حدد لي  الوقت في أقل من أسبوع.

كان من الطبيعي أن أعتذر للأستاذ، لكنه ألح إلحاحا شديدا على طلبه. ومن طبعي لا أحبذ أن أرد أي طالب فيما له علاقة بالعلم ونشر ما يريد من معارف تهم هذا الريف وإنسانه. هذا مبدأي وقناعتي، لكن للإنسان طاقة محدودة قد لا تسعفه في تلبية هذا الطلب. استمر الأستاذ في إلحاحه وقدم من الحجج ما جعلني أقبل، شريطة أن لا أتقيد بوقت محدد. رفض وقال بأن هذا الأمر غير ممكن سيما وأنه ينوي أن يرى مشروعه هذا النور مع بداية الصيف.

إلحاحه وتشبثه بالوقت المحدد لن أفهمه إلا فيما بعد، أي بعد أن أنهيت العمل. فلو كنت أعلم ذلك من قبل، لكنت رفضت المساهمة رفضا باتا لا نقاش فيها.

على العموم، ورغم كل المعيقات استطعت أن أنجز ذلك وفي مدة قياسية جمعت بين الليل والنهار. وذات يوم، هاتفني طالبا كتابة تقديم لهذه السيرة/الكتاب: البحث عن جذور الضباب. تفاجأت وظللت لبرهة مشدوها، فأجبته بأن هذه العملية تتطلب قراءة الملف من “الألف إلى لاماليف” كما يقال، وهذا غير ممكن بحكم ما ذكرت لك آنفا من الانشغالات والاعتبارات. لكنه أصر. فأجبته إلا هذه المسألة فلا مهما حاولت معي.

عموما، تسلمت منه الجزء الأول وشرعت في القراءة تاركا جانبا أعمالي الأخرى. وكلما تقدمت في القراءة، إلا وشدني النص إليه أكثر فأكثر، إذ تنقلت عبره عبر عوالم عديدة، وفضاءات متميزة، انتقل وساح فيها هذا البقيوي التفنساوي بحثا عن “العصرنة والحداثة”، ووجدت فيه نوعا من ذاتي، ومن طفولتي، وحتى من شبابي رغم بعض فارق السن. ويمكن العودة وقراءة التقديم الذي فاجأته به عندما انتهيت من مراجعة النص لتكون لدى القارئ نظرة عامة حول هذا الكتاب/ السيرة الذاتية، بل الجماعية لشباب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ويكفيه فخرا أنه أحيى الكثير من شخصيات المدينة تُنوسيت بالكامل إلا من طرف أهلها، ومنها أحمد أمغار، علي فهمي، محمد شعيب، د. العلمي وآخرون، ومن هم ما زال على قيد الحياة: السي أحمد لمرابط، السي الصابري، السي الأجديري، وغيرهم كثير. لذا أقول: إن هذا الكتاب ذاكرة، وكم أتمنى أن تكثر هذه الذاكرات الفردية لنتجاوز بعض أحكام قيمة، جاهزة، تغذي النفور وسط المجتمع.

المضيق 22 شتنبر 2019

Comments

comments