محمد أحداد: “مأساة” البام التي تحولت لمهزلة 

محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

المشهد يغني عن كل تحليل: نساء فقيرات في البرنوصي بالدار البيضاء ركبن في الحافلات معتقدات أنهن ذاهبات للحصول على قفة رمضانية ليجدن أنفسهن يصفقن على “إمبريقية” بنشماس في كلمته الافتتاحية في تكرار ممل لفضيحة ولد زروال التي وسمت المشهد السياسي في هذا الزمن السياسي الرديء.

مشكلة البام ليست أبدا في الاختلاف والديمقراطية الداخلية ولا في فقدان البوصلة السياسية. لا أبدا. مشكلته أنه ليس ثمة من يشيع الخوف في المناضلين، ومن يأتي للمجلس الوطني ويقرر ما يشاء، ومن يقود الوساطات بالعصا والجزرة. بنشماس، أمين عام مرحلي، جاء للبام فقط لأنه انقلب على العماري، ولأن الفراغ كان قاتلا، وهو ليس قادرا على اتخاذ قرار سياسي واحد باستثناء متابعة الصحافيين بالعقوبات السجنية وتعيين بعض المقربين منه في بعض المناصب الصغيرة.

اليوم لا يقدر الأمين العام للحزب حتى على الحفاظ على مكانه والدفاع عن نفسه ضد النطحات والصفعات وبالأحرى أن يضمن الولاء من الأعيان ولفيف اليسار القديم والانتهازيين والراغبين في الوصول السريع. بنشماس إذا أردنا الاختصار بكلمات دقيقة: اختار أن يميل إلى جهة الأعيان بعدما فهم أن “الشكارة” وحدها يمكن أن تحميه من “حركة” مراكش التي قادها أخشيشن وفاطمة الزهراء المنصوري. واستسلم في الأخير ليعين أخشيشن أمينا عاما بالنيابة في اختراع سياسي نادر في المشهد السياسي..

لدى بنشماس وهم مبالغ فيه، أنه جاء إلى الأمانة العامة منتخبا شرعيا وحاول تسويق ذلك في وسائل الإعلام. في البام القاعدة هي التعيين وليس الانتخاب ومن يعتقد عكس ذلك عليه أن يتعالج فورا من الأوهام المزدهرة، لأن المؤسسة شيدت من البداية على قاعدة الاختيار والقرب والولاء ولو كانت بالفعل الديمقراطية تسير الحزب لفاز هو نفسه بانتخابات الأمانة العامة يوم سقط بكوري فجأة على الحزب..

ما يجري في حزب الأصالة والمعاصرة هو تعبير صارخ عن رغبات شخصية بطموحات متفاوتة: هناك من يريد قيادة الحزب؛ ومن يريد فتات المناصب، ومن يريد التعيين في المؤسسات والاستفادة من الريع..هناك قلة مجهرية تؤمن بأن الحزب يشكل بديلا لمشروع الإسلاميين وهم في الغالب من انضموا للحزب قادمين من الحلقيات..

في البام هناك صنف من “المناضلين” ممن يظهرون في آخر لحظة، هكذا فجأة، فبمجرد الإعلان عن تأسيس اللجنة التحضيرية ظهر بعض ممن يصفون أنفسهم بالحكماء لكن الذي حدث أن “الحكماء” تحولوا إلى جزء من المشكل لاسيما وأنهم تحالفوا مع العربي المحرشي الذي بات أقوى من بنشماس نفسه في البام..

والحال، أن ما يحدث لا يمكن إطلاقا أن ينفصل عن الخسارات الانتخابية البينة لا تقل فداحة عن فشل المشروع السياسي للحزب الذي شيد في لحظة التأسيس الاولى على تخليق الحياة السياسية وإقناع “الكتلة الصامتة” بممارسة السياسة، فالذي حدث ان الحزب قضم من الاحزاب الاخرى وتسبب في ضرر بالغ لأحزاب الحركة الوطنية التي وجدت نفسها عارية في مواجهة ما اسماه الاتحاد يوما بالوافد الجديد.

في انتظار ظهور من ينشر الخوف في البام، فإن الأحرار، كيفما اتفق، يقضم كل يوم من قوة البام، وهو شرط قديم جمعه ببنشماس يومه أسنده للحصول على رئاسة الغرفة الثانية، يوم كان البام لا سند له غير الهباء..وعين أخنوش اليوم – وذلك حقه في التدافع السياسي- على “الاحتياط الانتخابي للبام والذي يمكن التصرف فيه حسب قواعد الحقل السياسي المغربي والقواعد تؤشر اليوم أن جزء كبيرا منه سيؤول إلى حزب أخنوش أو إلى الاستقلال إذا اشتدت الأهوال وساءت الأحوال..

لا بد للحزب اليوم من شخص خارق ويمتلك الكرامات، يشبه إلياس ولو في الحد الأدنى ليقنعهم أن الحزب لا يؤمن بالديمقراطية الداخلية والاختلاف في الرؤى، بل إنه “غيتو” يسير مثل ثكنة عسكرية أما عكس ذلك، فإنه سيظل يدور في عجلة فارغة وليس غريبا، بعد كل ذلك، أن تجد العربي المحرشي يحاضر في “النموذج التنموي”وبنشماس يحاضر في حرية الصحافة..كل شيء ممكن.

المصدر: المساء، 16 مايو 2019

Comments

comments