محمد أمزيان: الأزمات الشديدة تصنع الخطوات الكبيرة

محمد أمزيان

محمد أمزيان

بعد تأييد الأحكام القاسية السابقة على نشطاء حراك الريف في محكمة الاستئناف ليلة الجمعة (5 أبريل 2019) وإعادة توزيعهم على مختلف سجون المملكة، يُطرح التساؤل التالي: هل انتهى المأزق الحالي الذي يتواجد فيه الريف منذ مقتل الشاب محسن فكري في أواخر أكتوبر 2016 إلى الصيغة التي يمكن عليها العبور نحو مستقبل يتوق إليه الجميع؟

أعتقد أن الاستناد على المساطر القانونية فحسب لن يستقيم بها ميزان العدل، ولن تتحقق بها العدالة الاجتماعية التي ننشدها لوطن نبتغيه شامخا، حليما ومتسامحا. القانون وحده لا يُبلسم الجراحات النازفة، والخطوات الجريئة في زمن التحديات الكبرى هي الكفيلة وحدها بإيجاد منفذ سليم لانسداد الآفاق. فالسياقات الإقليمية اليوم تحمل مؤشرات دالة ومقلقة على أن الهوة تزداد توسعا بين الشعوب وأنظمتها. كما أن السياسات القائمة على الخيارات الأمنية وحدها لا تصنع أدوات مصالحة حقيقية تتجاوز آلام الماضي المتراكمة، بل تغذي منابع اليأس الذي بلغ أقصى درجات الخطر. إن التفكير المسؤول في إيجاد حلول بديلة لمن أوجب الواجبات.

هل فات الأوان؟

لكل أزمة مخرج.. هذه هي القاعدة التي يتوجب العمل بها اليوم، مستحضرين قيم المصلحة العامة التي نسعى جميعا لتحقيقها بكل نكران للذات وبأقل الخسائر. فالوطن يجعلنا إخوة في المحن والمصير.

“يدعوني الواجب اليوم أن أتوجه إلى من يملكون مفاتيح الحل لمعضلة الريف، راجيا منهم أن يتحلوا بفضيلة الحِلم والبصيرة، ويبادروا إلى فتح باب الأمل أمام العائلات المجروحة وأمام المنطقة التي لا تستحق كل هذا العقاب”.

هل قدرنا أن نرهن مصائرنا لخطاب سوء الفهم؟ هل ضاق صدر الوطن إلى الحد الذي لم يعد يتحمل أصواتا نادت وتنادي ببعض الإنصاف والحقوق؟ ما زلت أومن بأن صدر الوطن رحب، وأن قلب الأب عطوف. أنا هنا لا أتحدث عمن أخطأ أو أصاب.. أحاول فقط أن أستحضر مستقبلا تتشكل ملامحه الآن، مستقبلا يبدأ بخطوة شجاعة، برغبة صادقة في زرع بذور صالحة من أجل وطن كريم جواد.

ليس المجال اليوم للتحليل السياسي أو التفكيك البنيوي للمنظومة السياسية القائمة، ولا القراءة الثقافية أو الاجتماعية لسيرورة الحراك الشعبي في الريف، فهذا متروك لميزان التاريخ. الأهم في نظري هو العمل على جبر الخواطر المكسورة للحد من حدوث مزيد من الأضرار. الأهم هو إيجاد صيغة لينة لمسألة المعتقلين، والتفكير في ترميم ما يمكن ترميمه في جسد العلاقة بين الريف والمركز؛ ذلكم الجسد الذي تلفه طبقة سميكة من سوء الفهم وعدم الثقة.

يدعوني الواجب اليوم أن أتوجه إلى من يملكون مفاتيح الحل لمعضلة الريف، راجيا منهم أن يتحلوا بفضيلة الحِلم والبصيرة، ويبادروا إلى فتح باب الأمل أمام العائلات المجروحة وأمام المنطقة التي لا تستحق كل هذا العقاب. ولا يمكن الشروع في هذا الورش الإنساني الراقي إلا بخطوة عاقلة، كريمة وشجاعة.

تبدأ اللبنة الأولى في هذا الورش الإنساني العظيم بإصدار عفو شامل عن المعتقلين وإيقاف المتابعات في حق المختفين في الداخل أو المشتتين على المنافي وراء البحر، ثم تليها لبنات أخرى يكتمل بها تحدي مد الجسور نحو المستقبل واستعادة الثقة المفقودة. أعتقد أن الريفيين يترقبون مثل هذه الالتفاتة الإنسانية، وقد عشنا بعض تفاصيلها في مناسبات ماضية، إلا أن خيبات الانتظار والترقب كانت قاسية على القلوب. أملي كبير ألا يخيب الرجاء هذه المرة أيضا.

أدرك أن مسألة العفو عن المعتقلين مرتبطة بحسابات تغيب عن قدراتي الإدراكية المتواضعة، إلا أنني في المقابل أرى أنها مسألة ليست بالمستحيلة، لاسيما أن الأزمات الشديدة هي التي تصنع الخطوات الكبيرة.

 

نشر في صحيفة المساء بتاريخ 15 أبريل 2019    

Comments

comments