محمد أمزيان: محاكمة الصحفيين… أوقفوا المهزلة!

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

لا أحد فوق القانون، الصحفي أيضا. لكن محاكمة الصحفي محمد أحداد وزملاءه يدخل في مجال السوريالية القانونية. حاولت أن أفهم ملابسات القضية ففشلت.

سألت ذات يوم أحد الزملاء: هل توجد صحافة مستقلة في المغرب؟ فأجابني: هناك صحفيون مستقلون وليست هناك صحافة مستقلة، وراح هذا الزميل الذي سبق وأن طاله السجن بسبب ما كان يكتبه وأغلق صحيفته الورقية، يعدد الموانع الظاهرة والمستترة التي تسهم في إعاقة العمل الصحفي المستقل في بلادنا؛ وهي في الواقع موانع كثيرة لعل أشنعها خوف الصحفي من السجن إن حاول الالتزام بالاستقلالية في عمله، رغم ضيقها. فحينما يُطلب من الصحفي أن يغض الطرف عن خلل ما في المجتمع أو في القبيلة السياسية أو في المنظومة الاقتصادية وغيرها من القضايا التي تقتضي الرصد والمتابعة، فكأنما يُطلب من الطبيب أن يتغاضى عن علاج المريض من أسقامه، والنتيجة تكون كارثية بطبيعة الحال.

“الهامش الضيق الذي يتحرك فيه الصحفيون المستقلون الآن في بلادنا، وهم في طريق الانقراض، هو بمثابة النافذة الأخيرة التي نطل منها على العالم الحر، ومن شأن الإجهاز عليه تماما أن يوجه رصاصة الرحمة لما تبقى من مصداقية الخطاب الرسمي عن حرية الصحافة”

ما فهمته من قصة أحداد وزملائه أنهم نشروا خبرا “صحيحا” عن اختلالات طالت مؤسسة وضع فيها المغاربة ثقتهم ضمانا لمستقبلهم بعد التقاعد. وعوض أن يُفتح تحقيق في النازلة، يُستتبع بإحالة الملف للنيابة العامة في حالة ثبوت الخلل لمحاسبة المسؤولين عنه إن ثبتت جريرة التقصير، اختارت النيابة العامة ملاحقة الجسم الصحفي. هذا الجسم النحيل، العاري كاليتيم بلا حماية ولا سند.

مهنة الصحافة لا تختلف عن بقية المهن، لها شروطها وقوانينها فضلا عن كونها تحمل رسالة سامية، وهي المراقبة والمتابعة للشأن العام والإخبار، وخاصة في ظل الأنظمة التي تتحول فيها مؤسسات المراقبة والمتابعة الرسمية إلى ديكوارات مستهلكة. أي نعم، للصحافة زلاتها وأعطابها، إذ حوّلها صنف من المنتسبين إلى هذا الحقل النبيل إلى مهنة التشنيع والسمسرة والتطبيل البذيء لجهة على حساب أخرى، بل وإلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. لكن هل تخلو المهن الأخرى من السماسرة والمطبلين؟

ما نراه اليوم من جرجرة وتخويف لهؤلاء الصحفيين يدخل في إطار تفريغ المشهد الإعلامي ممن بقي على قيد الحياة من أقلام تحترم شرف الكلمة، وتلتزم بأساسيات العمل الإعلامي ومصداقيته. وإذا ما أفرغ الجسم الإعلامي من الأقلام المستقلة، فمعنى ذلك الحكم بالموت على الصحافة كما حُكم بالموت على السياسة. حينما ماتت السياسة، أصبح المواطن خارج دائرة التنظيم والتأطير، وحينما تموت الصحافة تفقد الدولة آخر ما يربطها بالمجتمع. فماذا تستفيد الدولة من صحفي تابع أو من مواطن خانع؟

عندما وُصفت الصحافة بـ “السلطة الرابعة” فلدورها الكبير في ترسيخ ثقافة النقد بهدف البناء. هذا الدور أدركته الدول التي تحترم تعاقدها مع المواطنين، فسنت قوانين لحماية الصحافة والصحفيين من أي تأثير خارجي أو محلي، بل ارتقت قوانين حماية الصحفيين في الأنظمة الديمقراطية إلى مرتبة المكاسب المقدسة. ففي حالة “التسريب” مثلا، يعاقب المُسرِّب وليس الصحفي الذي نشر المعلومة بعد التأكد من صحتها، ولا تُمس حرمة الصحفي إلا في حالة نشر الأخبار الكاذبة.

الهامش الضيق الذي يتحرك فيه الصحفيون المستقلون الآن في بلادنا، وهم في طريق الانقراض، هو بمثابة النافذة الأخيرة التي نطل منها على العالم الحر، ومن شأن الإجهاز عليه تماما أن يوجه رصاصة الرحمة لما تبقى من مصداقية الخطاب الرسمي عن حرية الصحافة.. وإنه لمن المفارقات العجيبة والغريبة أن يتوج الزميل محمد أحداد بالجائزة الوطنية للصحافة ويُحتفى به كصحفي شاب متميز، ثم يُعامل في الوقت ذاته كما يعامل المجرمون. أوقفوا المهزلة!

Comments

comments