رشيد المساوي: في ألبومية رواية “بنات الصبار” لكريمة أحداد

رشيد المساوي استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

رشيد المساوي
استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

أصدرت مؤخرا المبدعة والصحافية الشابة كريمة أحداد ابنة الحسيمة، روايتها الأولى التي اختارت عنونتها بـ “بنات الصبار”. وسميتها رواية ألبومية لأنها تقوم أساسا على عرض صور شخصياتها المحدودة في أزمنة مختلفة لإبراز تحولات مصائرها في الزمان (المرحلة الحالية) والمكان (الحسيمة، الرباط).

في هذه الرواية تدور الأحداث أساسا حول عائلة حميد الزياني الذي سيرحل عن هذا العالم مبكرا تاركا وراءه عائلة متكونة من زوجة (لويزة) وأربع بنات (صونيا، شاديا، شيماء، صفاء) في وضعية مادية صعبة ووسط مجتمع ريفي ذكوري يمحق أنوثة المرأة ويهضم حقوقها. لذلك تركز الرواية على رصد مصائر أفراد عائلة الزياني بعد وفاة معيلها الوحيد، خاصة بعد أن تجد العائلة نفسها مجبرة على ترك المنزل الوحيد الذي تم بيعه بعد تدخل إخوة الزياني وأخته ومطالبتهم بحقهم في تركته كما ينص على ذلك الشرع الإسلامي (التتريك). وهكذا ستضطر الأم إلى البحث عن عمل خارج المنزل كمنظفة لتسديد قروض إيجار المنزل الصغير الذي اكترته العائلة، متحملة هي وبناتها نظرات مجتمع لا ينظر بارتياح إلى اشتغال المرأة في الخارج. كما أن البنت الكبرى صونيا (26 سنة) ستقبل أن تشتغل عند سارة صديقتها وزميلتها السابقة في الدراسة كمكلفة بالأشغال المنزلية، وذلك لمساعدة أمها على مصاريف الحياة اليومية. وهكذا ستجد نفسها رهن إشارة سارة وزوجها أحمد تلبي كل طلباتهما، إلى درجة ممارسة الجنس معهما كلا على حدة نظرا لفتور العلاقة العاطفية بين الزوجين، بحكم أن ارتباطهما أملته المصلحة الظرفية فقط وإكراهات المجتمع (تدخل عائلة أحمد في اختيار شريكته).

أما شاديا فتكاد تكون هي بطلة هذه الرواية، إذ أخذت صورها في هذا الألبوم الروائي حيزا أكبر من الأخريات. فهي طالبة جامعية بالرباط “متحررة” من القيود الأسرية التي فرضت على أخواتها، لذلك ستكون نهمة في إشباع رغباتها: تشرب الخمر وتسهر في المراقص و تنام ذات اليمين وذات الشمال بمقابل أو بدونه، غير عابئة بعواقب كل ذلك في ما يشبه انتقاما من المجتمع الذي غادرته والماضي الذي تسعى لدفنه. لذلك سترتبط عاطفيا بالطالب أنير الأمازيغي وتحمل منه، وهو ما سيجعل هذا الأخير يتنكر لها. ولمواجهة المأزق الذي وجدت نفسها فيه ستبيع جسدها لعبد الجبار – سكرتير التحرير في إحدى الصحف – لتتدبر أمرها. وفي الأخير ستعدل عن قرار الإجهاض في تحدي للجميع، لكنها ستفقد حياتها بشكل مأساوي أثناء عملية الولادة. أما شيماء – بنت الزياني الثالثة – فستراهن أيضا على جسدها للخروج من واقع البؤس الذي تعيشه الأسرة، وسيكون العالم الافتراضي (الفايسبوك) جسرها للعبور، وهكذا ستصبح تسمى فيه “أميرة في زمن حقير”، وتصل عبر توظيف صوتها ومفاتن جسدها إلى استدراج أحمد – زوج مشغلة أختها صونيا – الذي سيشكل له هذا التواصل الافتراضي فرصة للتنفيس عن برود علاقته الزوجية، إذ سيساعدها ماديا دون أن يعرف هويتها إلا بعد أن يقررا معا إقامة علاقة جنسية، ليكتشف كل واحد منهما باستغراب حقيقة الآخر و يسعيان إلى وأد الفضيحة التي قد تكون مكلفة لهما معا. أما صفاء أصغر البنات، والتي بدأت بالكاد مرحلة البلوغ وتواصل دراستها فهي منشغلة فقط بتحولات جسدها السريعة، بل هي مستمتعة بوفاة الأب! التي خلصتها من القيود الصارمة التي كان يفرضها عليها، خاصة وأنه كان يمني نفسه قبل ولادتها أن تكون ولدا!

هذه هي إجمالا أهم الأحداث التي تشكل مدار هذه الرواية التي لا يخفى نفسها التجريبي، والتي ركزت أساسا على تقنية تعدد الأصوات polyphonie للكشف حد الفضح عن هذه العقلية الذكورية الطاغية في المجتمع الريفي خاصة والمجتمعات الإسلامية عامة. ذلك أن الكاتبة تعمدت عدم مصادرة أصوات شخصيات الرواية من خلال إقحام سارد يتكلم عنها، بل سمحت لكل شخصية أن تتكلم عن تجربتها بضمير المتكلم، مما أتاح إلى حد ما لكل واحدة منها تقديم رؤيتها لذاتها وللآخرين بطريقة مرآوية. لكن الطابع الرسالي لهذه الرواية حد من فعالية توظيف هذه التقنية، ذلك أن هذا التعدد لم يعكس تنوعا حقيقيا قائما في المجتمع، والنتيجة أن كل نساء هذه الرواية يشتركن في منظور واحد للرجل رغم اختلافهن الجيلي أو الاجتماعي، وبالتالي فقد كن أصداء متفاوتة لشخصية الكاتبة. كما أن هذا النقد الموجه لنظرة المجتمع للمرأة ظل حبيس ذاته، أي أنه يقدم تصورا سلبيا عن المرأة من حيث كونها تراهن فقط على جسدها دون عقلها لتغيير الوضعية التي تعيشها، ولا تختلف في ذلك المتعلمة (شاديا) عن الأمية (سعدية أخت الزياني).

ينضاف إلى ذلك كون الكاتبة – بسبب تسرعها أو إصابتها بعدوى الكتابة الصحافية – لا تحفر عميقا في شخصيات روايتها إذ تقدمها بشكل سطحي نتيجة هيمنة الطابع التقريري في بعض الأحيان، وهكذا لا نفهم كيف أصبح حميد الزياني بين عشية وضحاها إسلاميا متطرفا وعنيفا مع أسرته يمنع زوجته من الرسم وبناته من الإنصات للموسيقى. أو كيف أن سعدية تبرر عدم صلاتها في السابق لأنها كانت مشغولة جدا! (ص 313). بل إن القارئ للرواية – والتي اتخذت من مدينة الحسيمة مسرحا لها – والذي يعرف طبيعة مجتمعها سيحس بمفارقتها لهذا الواقع في صور كثيرة من الألبوم. فمشاهدة أحمد وهو يحتسي الخمر مع أبيه حد الثمالة في إحدى حانات المدينة، وهما يناقشان موضوع زواجه من سارة لا يعكس فعلا ثقافة المجتمع الريفي المراد انتقاده. وأخيرا فتعمد الكاتبة اعتماد لغة سوقية مباشرة (مثلا في ص 147/ 330.) لكشف قاع المجتمع وما يمور فيه ليس مفيدا بالضرورة في استفزاز ذهن القارئ وإيصال الرسالة التي تود هذه الرواية تبليغها (ربما يتناقض هذا حتى مع عنوان الرواية إذ بنات الزياني يظهرن فيها غير متجذرات في تربتهن، وتمنع أشواكهن/مناعتهن من استغلالهن، بل بالعكس يبدون كحبات موز يسيرات القضم والهضم).

خلاصة القول إن ما قلته سابقا يبقى مجرد انطباع عام – فأنا لست ناقدا أدبيا – لقارئ عن رواية لكاتبة شابة جدا (26 سنة: نفس عمر شاديا!) تشق خطواتها الأولى بثبات على درب الكتابة الروائية الذي يعرف تنافسا شديدا جدا، وتمتلك ناصية اللغة ونفسا حكائيا وغنى تخييليا سيمكنونها من الذهاب بعيدا بعيدا، شرط تجنب التسرع الصحافي ولتجرؤ الفج على ثقافة المجتمع، وأيضا ضرورة ترك العمل الإبداعي يتخمر كفاية على نار الخيال الهادئة ليحلو مذاقه.

Comments

comments