إبراهيم بوحولين: القابلية للاستعمار وشروط التخلص منها كما يراها مالك بن نبي

إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

ارتبط مفهوم “القابلية للاستعمار” بالفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، ارتباط النص بعنوانه، إذ هو أول من استعمله في مجالاتنا التداولية الإسلامية، كما ارتبط سؤال النهوض الحضاري بجمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، والنهوض الحضاري لأمة من الأمم شرط سابق لتحقق الشهود الحضاري وقبلهما الاستيقاظ الحضاري، لأن الحضارات يأتي عليها ما يأتي الناس والحيوانات، فهي تموت وتولد وتنام وتصاب بالفتور، وتعيش فتوتها وشبابها وكهلها، وهي إلى ذلك مفتقرة إلى شروط لقيامها.

فلماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وكيف تأخروا؟ ومتى تأخروا؟ وما السبيل ليتقدم المسلمون؟

يجيبنا واحد من المفكرين المعاصرين لَقَّبه لويس ماسينيون ب “ابن خلدون المعاصر”، هو فيلسوف الحضارة مالك بن نبي، عن إشكالاتنا بتقسيمه المجتمع المسلم إلى مجتمعِ ما قبل عصر الموحدين ومجتمع ما بعد الموحدين، هذا الفاصل الزمني الذي ماتت فيه – حسب ابن نبي – الحضارة الإسلامية وأفلت، ودخلت الأمة الإسلامية في عصر من الانحطاط هو عصر “القابلية للاستعمار” حالة من الهوان والانهزام النفسي والاجتماعي الذي عاشه المجتمع المسلم منذ الموحدين إلى العصر الحديث “عصر الاستعمار المباشر”، يدعو ابن نبي إلى التحرر من القابلية للاستعمار الذي هو سبب الاستعمار المباشر، فإنه حتى وإن “استقلت” الدول المتخلفة من الاستعمار المباشر فهي مستعمرة ما لم تتخلص من القابلية للاستعمار، فإن تحررت منه فقد امتلكت كل أسباب النهضة والتحضر، فماذا يعني ابن نبي بالقابلية للاستعمار؟ وكيف السبيل إذن للتحرر من القابلية للاستعمار؟

“القابلية للاستعمار:Colonisabilité” مفهوم استعمله وابتكره ابن نبي للتعبير عن حالة التخلف الذي آل إليه عالم “طنجة جكارتا” في مجالات الحياة الشتى، في مرحلة من التاريخ امتدَّت من زمن الموحدين إلى أن استفاق “العالم الثالث” على الاستعمار المباشر، ويعتبر ابن نبي هذه الحالة من الانهزام النفسي من الداخل السبب الرئيس للاستعمار،” إن المشكلة الرئيسية هي أنه لكي نتخلَّص من الاستعمار يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار” (ابن نبي، وِجهة العالم الإسلامي ص 107.)”، إنه مرض يصيب الحضارات في مرحلة شيخوختها، وبعده يأتي الموت والأفول، وهذا تماما ما حدث في العالم الإسلامي، ومن ثم فإن مهمة الدراسات الاستشراقية التي كانت قبيل الاستعمار تكمن أساسا في دراسة الأوضاع النفسية للمجتمعات المتخلفة، لإدراك مكامن الخلل ومواطن الضعف فيها، حتى يسخرها الاستعمار كيف يريد ولِما يريد، فهو إذن جاء ليراقب حركة الأفكار كما راقب البترول، ومهمته الثانية هي التخلص من الأفكار المزعجة، أو الانحراف بها عن مراميها ومقاصدها، إنه الاستعمار يعرف على الأقل أكثر مما نعرف عن أنفسنا، فهو يمتلك كل وسائل الاستعلام التي لا يمكننا امتلاكها في الراهن، فهو حين يقوم بمعركة مفاهيمية يعرف معرفة تامة بأرض المعركة، وعلى معرفة فنية بالفكرة، وهكذا ساهم الاستعمار بما هو نتيجة ضرورية وحتمية تاريخية لحالة القابلية للاستعمار في انتشار المرض في المجتمع الإسلامي وفي انتشار دائرة التخلف فيه.

“حتى وإن “استقلت” الدول المتخلفة من الاستعمار المباشر فهي مستعمرة ما لم تتخلص من القابلية للاستعمار، فإن تحررت منه فقد امتلكت كل أسباب النهضة والتحضر”

ولذلك يطرح صاحب مشروع “مشكلات الحضارة” مجموعة من الآليات لصناعة الحضارة والنهضة يسميها “شروط النهضة”، هي نظرية متكاملة يصعب بسطها في ورقة أو مقال، لكن لبها وأسها يرجع إلى الفعالية الإنسانية “الإنسان الفعَّال في مقابل الإنسان القوَّال”، إذ لا سبيل للتحرر من آفة القابلية للاستعمار إلا إذا تحرر المجتمع المسلم ولا سبيل لتحرره إلا إذا تحرر الإنسان “الفرد”، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (سورة الرعد الآية 11)، ذلك أن التغيير يبدأ من الداخل، عبر استثمار الإنسان لكل امكاناته المتاحة “الزمن والتراب”، والاعتناء بالأفكار لا بالأشياء، وإذا كان لا بد من الاستفادة من الغرب – حسب ابن نبي- فلنقف منه موقف التلميذ ونستورد الأفكار كما حدث مع اليابان، لكن الذي حدث بالنسبة إلينا أننا وقفنا منه موقف الزبون، فاستوردنا الأشياء وتركنا الأفكار، حتى أصبحنا نعيش مرحلة من التكديس، لأن الحضارة هي التي تلد منتجاتها، والحال أننا نريد أن نصنع حضارة بمنتوجات حضارة الغرب، وهذا إشكال دافعُه الجهل بسنة التاريخ وقوانينه في صناعة الحضارات، فلا سبيل إذن لصناعة أي حضارة إلا إذا فهمنا جيدا هذه القوانين، وكل سبيل غير هذا لن يحقق لنا أي حضارة أبدا، لأننا في هذه الحالة شبيهون بالسجين الذي يطلب من ساجنه مفاتيح السجن لينجو، يقرر مالك بن نبي أن أي منتوج حضاري إذا تأملنا فيه جيدا نجد أن وراءه أركانا ثلاثة، هي:

 التراب: أي المادة الخام التي صُنع بها هذا المنتوج الحضاري.

 الزمن: وهو الوقت بمعناه العام، حيث لا يوجد منتوج حضاري صنع بلا وقت وخارج التاريخ.

ثم الركن الأهم الذي هو الإنسان، ثم إن هناك رابطا جامعا لهذه الأركان الثلاثة هو “الفكرة الدينية” يزرع فيها الروح فتنتج الأدوات والمنتوجات الحضارية، ولا يمكن لها أن تغيب (وهو استقراء بن نبي للتاريخ البشري) وتُوجِد الحضارة، هذا الرابط هو الفكرة الدينية، ولذلك لا توجد حضارة بُنيت على غير فكرة دينية، أعطت للإنسان الدافعية للفعل ومعنى لذاته ووجوده ومآله، الأمر الذي جعله ينطلق نحو تدشين البنيان والعمران، فإذا كانت الكتابة هي الحاضنة لسنن التاريخ وقوانين قيام وأفول الحضارات، تجعل كل جيل يستفيد من الجيل الذي سبقه، فإن الكتابة هذه قد نشأت في حضن الدين، وُجدت أول ما وُجدت لتدوين الكتاب المقدس وحفظه من الضياع والاضمحلال، وما دُوِّنت العلوم والمعارف في مختلف الحضارات إلا لضبط الكتاب المقدس وحفظه وفهمه.

* إبراهيم بوحولين: باحث ضمن مختبر مناهج العلوم في الحضارة الإسلامية وتجديد التراث

Comments

comments