رشيد المساوي: اليسار بين المخزن والإسلاميين

عبد الرشيد المساوي أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

عبد الرشيد المساوي
أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

أثار الهجوم غير المسبوق وعلى جميع المستويات (الأخلاقي، الجنائي، المالي …) الذي يتعرض له حزب العدالة والتنمية مؤخرا، نقاشا عموميا مهما في الساحة السياسية يحتاج إلى إغنائه و تعميقه. وسأكتفي في هذا المقال الصحفي غير الأكاديمي بالوقوف بشكل جد ملخص عند موقف بعض اليساريين (المحدالي، تدموري، البكاري) من حزب العدالة والتنمية خاصة ومن الإسلام السياسي عامة من جهة، وموقفهم من المخزن – الذي يقود هذا الهجوم – من جهة أخرى؛ وذلك من خلال رصد أطروحة كل واحد منهم في الإجابة عن هذا الإشكال الناتج عن المفارقة التي تطرحها واقعة الهجوم هذه، والذي يمكن صياغته كما يلي: كيف نفسر هذه الهجمة الشرسة التي يشنها المخزن مؤخرا (أقصد بالمخزن دائما المركب المصالحي الذي يحتكر السلطة والثروة والذي يشكل القصر جزء منه) على حزب العدالة والتنمية، خاصة إذا علمنا أن الخدمات “الجليلة” التي قدمها هذا الحزب وما زال يقدمها للمخزن لا يستطيع أي حزب آخر القيام بها؟ ثم ما هو الموقف السليم الذي يفترض أن يتخذه اليسار تجاه ذلك؟ بصيغة أخرى أيهما أخطر: المخزن أم الإسلام السياسي عامة؟

تبدو مواقف اليساريين جد متباينة في التفاعل مع هذه الواقعة خاصة، وفي التموقف من تيار الإسلام السياسي عامة. فالأستاذ جمال المحدالي  في مقاله المعنون “مساهمة في نقد الإسلام السياسي: حزب العدالة والتنمية نموذجا ” (نشره موقع انوال بريس) يعتبر أن هذا الاستهداف الذي يشتكي منه حزب العدالة والتنمية هو مجرد نفاق سياسي مكشوف يمتح من خطاب المظلومية الذي يتوسله دائما لاستدرار تعاطف أنصاره، وأن الحزب ماض في خدمة أجندة المخزن في الإجهاز على حقوق الشعب ومكتسابته بما يقوي حظوظه في الاستفادة من مختلف أنواع الريع في تناقض صريح ليس فقط مع برنامجه الانتخابي الذي لخصه في عبارة “محاربة الفساد والاستبداد “، وإنما أيضا مع مرجعيته الدينية التي تتبنى شعار “الإسلام هو الحل”.
“على اليسار أن يكون ديمقراطيا أولا – وهذا تمرين عسير – وأن يشتغل على بناء ذاته وتقويتها أكثر من انشغاله بمواجهة الآخرين”
ولتفسير هذا السلوك السياسي المنافق يعود المحدالي إلى تاريخ نشأة الإسلام السياسي في المغرب، والأدوار الموكولة إليه في محاربة الفكر التنويري عامة واليساري خاصة، وكذا الأسلوب الذي يتوسل به في فرض ذاته والقائم أساسا على العنف. وهو في تحليله يعتمد منهج الإستقراء والتعميم الذي يجعله يعتبر أن غالبية تيارات الإسلام السياسي – التي يشكل حزب العدالة والتنمية نموذجا معبرا عن حقيقتها (ينظر عنوان مقاله)- هي قوى محافظة مناهضة للتغيير والثورة وحق الشعوب في الحرية والعدالة. لذلك فلا خير يرجى منها، ولا فرق بينها وبين المخزن التي تكاد تكون جزءا منه. لذلك يدعو إلى ضرورة إبداع إسلام جديد متصالح مع العصر، إسلام زمن دولة الحق والقانون وحقوق الإنسان، إسلام الحرية لا الوصاية.
أما الأستاذ عبد الوهاب تدموري فيذهب أبعد مما سبق في مقال له بعنوان “في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية” (نشره موقع أنفاس بريس)، حيث يعتبر أن حركات الإسلام السياسي أخطر من المخزن ذاته، وأنها لا تخدمه فقط وإنما تهدد وجوده معتمدة أسلوب القضم التدريجي بما يمكنها من التحكم في مفاصل المجتمع أولا والدولة ثانيا. لذلك فهو ينتقد هذا التحالف الهجين بين مايسميه الأصولية الدينية والأصولية المخزنية الذي سيميل عاجلا أو آجلا لصالح الأولى ذات الارتباطات الخارجية بالحركتين الإخوانية والوهابية (هاهنا يقيم مقارنة مهمة بين تحالف القصر مع الحركة الوطنية في الماضي، وتحالفه مع الإسلام السياسي في الحاضر). لذلك يخلص – بعد نقد ذاتي لليسار الذي يعتبره غارقا في انغلاقه ونرجسيته المفرطة – إلى اجتراح مشروع سياسي بديل لمواجهة الأصولية بشقيها كمسألة مبدئية يشكل فيه النضال على الواجهتين الثقافية والاجتماعية بوابة للخروج من الانحصار الذي يعرفه المشروع الديمقراطي و الحداثي.
أما الأستاذ خالد البكاري فيعزف نغمة مختلفة عن سابقيه. ففي مقاله بعنوان “ديمقراطية محجبة” ( نشرته جريدة أخبار اليوم ) يجيب فيه عن الإشكال المطروح من خلال رصد عناصر التوافق والتعارض بين حزب العدالة والتنمية من جهة و”السلطوية” (يوظف هذا المصطلح لوصف طبيعة الحكم في المغرب) من جهة أخرى. وهكذا يخلص في ما يخص الجانب الأول، أن الفعل السياسي عند حزب العدالة والتنمية ينهل من مرجعية تقليدية جدا تتمثل في الآداب السلطانية (يمكنكم لفهم المقصود مراجعة كتاب بهذا الاسم للأستاذ عز الدين العلام غير ب10 دراهم !) حيث تنحصر مهمة الفاعل السياسي في العمل بجانب السلطان إذا كان في الحكومة، أو تقديم النصح له إذا كان في المعارضة! (منطق الطاعة).
أما في ما يخص الجانب الثاني المتعلق بما يتعارض فيه الطرفان، والذي يفسر واقعة الهجمة التي أشرنا إليها في البداية؛ فيتمثل في كون الفعل السياسي للحزب يحد من سلطوية المخزن وحريته في الفعل في حدود معينة، إذ يفشل أحيانا المخططات التي يرسمها (كمثال دال على ذلك، تصدره للانتخابات الأخيرة رغم أنف المخزن الذي لم ينجح لحد الآن في هضم ما حصل رغم كل التنازلات التي قدمها الحزب!)، لذلك لا تخفي السلطوية وأجهزتها الضبطية والإيديولوجية انزعاجها الشديد من هذا الحزب بسبب خطابه الديني الذي يزاحمها على هذا الرأسمال الرمزي الذي تريد احتكاره، وكذا من قوته التنظيمية وكتلته الإنتخابية وأذرعه الموازية. وما يميز هذه المقاربة الأخيرة هو من جهة التركيز فقط على هذا الحزب دون تعميم ما يصدق عليه على باقي تيارات الإسلام السياسي المختلفة عنه، ومن جهة أخرى – وهذا في نظري هام جدا – عدم التركيز في نقد الحزب على تصوره الإيديولوجي أو سلوكه السياسي فقط، وإنما استحضار طبيعة الفئات الاجتماعية التي تشكل نسيج الحزب (مقاربة أقرب إلى التحليل الماركسي) والتي تنتمي في الغالب إلى البورجوازية الصغيرة والمتوسطة مما يجعلها تسعى إلى التغيير رغم المعيقات التي تحد من إمكانية التحول الديمقراطي.
على سبيل الختم: كان غرضي من خلال استحضار هذه المقاربات الثلاث (واحدة لا ترى فرقا بين المخزن والإسلام السياسي، وأخرى تعتبر الثاني أخطر من الأول، وثالثة تميز بين تيارات الإسلام السياسي وتراهن على بعضها وخاصة على قواعدها لإنجاز التحول الديمقراطي المنشود؛ هو إبراز هذا الاختلاف بين اليساريين من جهة بصدد هذه القضية، لكن من جهة أخرى التأكيد على الحاجة الملحة لوجود اليسار، وحاجة هذا الأخير إلى القيام بنقد جذري أولا في علاقته بذاته للتخلص من جموده العقائدي وتورمه الإيديولوجي وترهله الفكري بما يمكنه من اكتساب ثقافة الاختلاف والنسبية والتعاقد التي وحدها القادرة على إخراجه من التشتت والانقسامية التي يعيشها، وعلاقته بمجتمعه قصد المصالحة مع تاريخه ولغاته ودينه للتخلص من الاغتراب الذي يعيشه، وعلاقته بغيره من القوى السياسية التي ينبغي أن تقوم على أساس أولوية السياسي والاقتصادي في الصراع على ما هو إيديولوجي لكي لا يساهم في تقاطب أفقي يكرس انقسامية القوى المجتمعية التي لها مصلحة في التغيير، ويصبح – من حيث لا يحتسب – يؤدي أدوارا مخزنية بالنيابة من خلال مساعدة المخزن على تحجيم المد الإسلامي بدل الانكباب على تقوية ذاته. في كلمة: على اليسار أن يكون ديمقراطيا أولا – وهذا تمرين عسير – وأن يشتغل على بناء ذاته وتقويتها أكثر من انشغاله بمواجهة الآخرين.

Comments

comments