محمد أمزيان: ما دُون البغل وفوق الحمار

محمد أمزيان

محمد أمزيان

هل يمكن وقف بنكيران؟ وهل ينبغي إيقافه عن “التدخل” في الأمور السياسية بعد خروجه من السلطة؟ أعتقد أن الرجل يمارس حقه في التعبير عن آرائه التي تغضب وتزعج القريب منه والبعيد، ولكنها تبقى آراء رجل مارس العمل السياسي في السر والعلن حتى أدمنه، ولا أحد قادر الآن على مداواته. ثم إن المشهد السياسي الذي تم تشييعه إلى مثواه الأخير منذ زمن، في حاجة إلى شخصية مثل بنكيران؛ شخصية تتمتع بميزة فريدة وهي الخروج عن “المألوف” في ما يقوله، مكسرا قيود الروتين والرتابة في السياسة المغربية الميتة.

ليس الرجل مفكرا ولا صاحب نظريات في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الدين والعقيدة لنطالبه بأكثر مما يستطيع. قد يقول قائل إن لسانه هو الذي يقوده وليس عقله، وهذا بالضبط ما يجعل من بنكيران شخصية شعبية أو لنقل “شعبوية” قادرة على الوصول إلى مشاعر عدد كبير من المغاربة ودغدغتها. وهو فوق ذلك شخصية تمتلك مستوى من الذكاء الفطري لا ينبغي الاستهانة به، وبالتالي لا يمكن إزاحته هكذا بالمجان أو بالتهجم عليه أو الاستقواء بخصومه وهم كثيرون.

“رجل مثل بنكيران يستحق معاشا لائقا بدوره الترفيهي في مشهد سياسي لا رائحة له ولا طعم، إلا رائحة الصفقات المشبوهة وطعم الخيبات”

خرجاته التي تبدو نشازا للبعض وبهلوانية في نظر البعض الآخر، يعرف متى يلقي بها في البركة الراكدة. هو بارع في حرفة الإخراج حتى ولو كان السيناريو فاشلا. مَن مِن السياسيين يستطيع خلق حدث بكلام عابر في بيته أو في الشارع أو في تجمع حزبي لم يُستدع إليه رسميا؟ بنكيران قادر على فعل ذلك، وقادر أيضا على قلب الأدوار وتحويل الهجوم عليه إلى مظلمة يكسب منها مزيدا من التعاطف.

في السياسة خلف قاموسا ستتذكره الأجيال مثلما ستتذكر قراراته المجحفة في حق أغلبية المغاربة حينما كان رئيسا للحكومة. وهو خارج الحكومة سيخلف قاموسا آخر يصعب تجاهله في المجالس الخاصة أو العامة، لا سيما بعد أن تم إبعاد سياسيين كانوا في خرجاتهم أقرب إليه حتى ولو اختلفوا معه سياسيا أو كانوا نقيضه تماما. شباط غاب ولا ندري متى سيعود وهل سيعود، إلياس العماري أفل نجمه بسرعة البرق وانكفأ على نفسه حتى يكمل فترة رئاسة الجهة وبعدها قد يطويه النسيان. هذا الثالوث الذي أنتجه موت السياسة في غفلة من الزمن، أثث لمرحلة غريبة في تاريخنا المعاصر سيعود إليها علماء السياسة والاجتماع لدراستها حتما. الآن بقي بنكيران وحيدا في الساحة بلا قرين أو شبيه، وحتى الذين سيحاولون تقليده أو تقليد شباط أو إلياس سيفشلون.

استغرب المغاربة معاش بنكيران الاستثنائي ومن حقنا جميعا أن نستغرب، خاصة وأن الرجل كان دائما يُظهر الزهد والتقشف، والآن يستحصل من جيوب المغاربة مبلغا يكفي ليضمن عيش عشر أسر كاملة في بحبوحة وسعة. إلا أن الرجل شرح أن ذلك من فضل الملك؛ هدية منه بعدما أوشكت حساباته البنكية الأربعة على الإفلاس، والهدية في العرف والتقليد لا تُرد. ثم إن حالته المالية وصفها بأنها في درجة “ما دون البغل وفوق الحمار”، وهو يرى أن درجة زملائه في الحرفة ما فوق الحصان والجمل. صحيح أنه تناسى أن جيوب أكثر من ستين في المائة من المغاربة ما دون النملة وفوق الحشرة، إلا أن الرجل على كل حال شرح الأسباب وذكر الحيثيات بتلقائية تنعدم عند باقي السياسيين.

رجل مثل بنكيران يستحق معاشا لائقا بدوره الترفيهي في مشهد سياسي لا رائحة له ولا طعم، إلا رائحة الصفقات المشبوهة وطعم الخيبات. بنكيران هو “مؤنسنا” في زمن القحط السياسي وما علينا إلا أن نشجعه للاستمرار في أداء دوره حتى لا ندخل زمن التصحر التام.

المساء، 24 يناير 2019

Comments

comments