رشيد المساوي: أسلمة الأمازيغ أو الجريمة المقدسة

عبد الرشيد المساوي أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

ذ. رشيد المساوي

من النادر جدا أن تجد رجل سلطة لدينا لديه اهتمامات ثقافية. لكن هذا لا ينطبق على “محمد المهدي علوش” الذي كان يشغل عندما كنت أدرس بصفرو مهمة عامل الإقليم، إذ أصدر مؤخرا ( نوفمبر 2017 ) كتابا بدا لي هاما عنونه “إسلام الأمازيغ: قراءة أخرى في تاريخ أسلمة المغرب من ق6 م إلى ق12 م “.

أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه يدرس موضوعا شائكا جدا بأكبر قدر ممكن من الموضوعية، إذ يسحب أناه غالبا ليترك المصادر العربية والأجنبية التي اعتمدها تتكلم عما حصل، مع محاولة استحضار الأطروحة ونقيضها ليترك المجال للقارئ ليحكم بنفسه اعتمادا على الحجج التي تعتمدها كل أطروحة في ترجيح هذا التفسير أو نقيضه. ومن الأسئلة الأساسية والمفتوحة التي نصادفها ونحن نغوص في متن هذا الكتاب: لماذا لا يرضى الأمازيغ بحكم بعضهم ويحتاجون الى طرف ثالث ليقوم بذلك؟ أي هل يعود ذلك الى نزعة انقسامية متأصلة فيهم أم لرفضهم لأية سلطة كيفما كانت؟ ثم لماذا تخلى الأمازيغ عن مسيحيتهم بسرعة عكس مسيحيي الشرق الذين نجوا من رياح الأسلمة في ما يعرف بالغزو الإسلامي؟ وأيضا لماذا تمت أسلمة شعوب الشرق بسرعة بينما تطلب ذلك مدة طويلة في تمازغا؟ والأهم من كل ذلك لماذا يتم التستر بالدين عن الغزو العربي لشمال إفريقيا رغم أن كل المصادر توضح أن ما حصل لم يكن سوى إبادة عرقية جماعية تحكم فيها كل شيء سوى الوازع الديني؟!

“لماذا لا يرضى الأمازيغ بحكم بعضهم ويحتاجون الى طرف ثالث ليقوم بذلك؟ هل يعود ذلك الى نزعة انقسامية متأصلة فيهم أم لرفضهم لأية سلطة كيفما كانت؟”

على مدار الكتاب نقف على فظاعات الغزو العربي لشمال افريقيا والتي تقشعر لها الأبدان وتهتز لها الضمائر ولا يقبلها دين أو قانون مهما كان بدائيا. لذلك يجزم الكاتب أن “نشر الإسلام بين الأمازيغ كان مقترنا بالعنف والنهب والتشريد والاسترقاق ” ص 185، وهو ما يفسر في نظره كون إسلام الأمازيغ ظل سطحيا إذ تشبثوا بقبليتهم غالبا أو اختاروا المذاهب المناوئة للإسلام الرسمي (مذهب الخوارج أو البرغواطية أو غيرهما). والأدهى من ذلك أن الغزاة لم يكن يهمهم إسلام الأمازيغ، بل بالعكس فقد عملوا على إبقاء المناطق التي اجتاحوها (يشبهه ابن خلدون باجتياح الجراد ص 298) في حالتها الأصلية ليفرضوا عليها الجزية ويمعنوا في استغلال أهلها. وطبعا فكل احتجاج على هذا الوضع واستنكار للظلم ولو باسم الإسلام يكون مصير صاحبه قطع رأسه وإرسالها إلى الحاكم في الشرق (ص 204-208- 210) الذي لم يكن يسأل مطلقا عن حال تدين الأقوام التي شملها “الفتح” الإسلامي، وإنما كان يهمه فقط عدد الأموال التي تم جمعها وكذا عدد السبايا والعبيد الذين تم استرقاقهم. وما ينطبق على “أمير المؤمنين” في الشرق – وخاصة في العهد الأموي – ينطبق على قواده الذين كلفهم بإخضاع الشعوب الأخرى حد الإبادة إذا لم تستسلم. وهاهنا يحضر أحد كبار المجرمين عبر التاريخ ممثلا في شخصية “موسى بن نصير” الدموية الذي لا يتوقف عن التنكيل بزعماء القبائل حتى بعد استسلامهم إمعانا في إذلالهم بعيدا عن كل شيء يرتبط بالتعاليم الإسلامية.

بل حتى الذين قدموا لنا في التاريخ الرسمي على أنهم مثال للزهد والتقوى كعبد الله بن ياسين فنجده عكس ذلك تماما – هو في ذلك خير خلف لخير سلف لبعض إسلاميي زماننا – إذ يقول الكاتب عنه في ص 237:” كان متمكنا من الدين عالما بالشريعة عارفا بفقه الإمام مالك… زاهدا في متاع الدنيا إذا استثنينا ولعه بالنساء… إذ كان شغوفا بنكاح النساء حتى ليقال إنه كان لا يسمع بامرأة حسناء إلا وسعى للزواج منها. وكان يتزوج في الشهر الواحد عدة نساء يطلقهن الواحدة تلو الأخرى حتى لا تجتمع عنده أكثر من أربعة “!!!  والكتاب يعج بوقائع تبين بما لا يدع مجالا للشك أن ما يسمى الفتوحات الإسلامية لم تكن في الحقيقة سوى تعبيرا عن همجية العرب تمت تحت غطاء الإسلام، وكانت تستجيب فقط لباعث الغريزة الحيوانية من جنس وقتل واستحواذ … (القوة الشهوية والقوة الغضبية بلغة أرسطو). أما تعاليم الدين فكانت تفرض فقط على عامة الناس حد التطرف، وهاهنا نكتشف أن تيار التكفير الراهن له جذور في الماضي، إذ نجد في العصر المرابطي مثلا “مراعاة تعاليم الدين الإسلامي وتطبيق أحكام الشريعة بصرامة متناهية، من ذلك تحطيم الأدوات الموسيقية وهدم دور الفجور وبيع الخمور وإيقاع أقسى العقوبات بمن يثبت في حقه التعاطي للفواحش والمنكرات ” ص 240 (منطق حلال على الحكام حرام على المحكومين!).

وفي محاولة لتفسير ضعف الحضارة الأمازيغية وفشلها في مقاومة مختلف الدخلاء سواء كانوا عربا أو عجما رغم استبسال الأمازيغ في الدفاع عن حريتهم وأرضهم، يقدم الكاتب عناصر جواب جديرة بالتأمل و تشكل ربما نقط ضعف الهوية الأمازيغية: فمن جهة استند العرب والعجم في استيطان تمازغا على دين يوحدهم (الإسلام، المسيحية) وهو مكون شبه غائب عند الأمازيغ، ومن جهة أخرى اعتمدا أيضا على لغة وخط يسمحان بالتدوين (اللغة العربية، اللغة اللاتينية) بينما ظلت اللغة الأمازيغية يطغى عليها الطابع الشفهي مما حال دون تدوين الحضارة الأمازيغية بلسان خاص بها .

خلاصة القول هي أن تصفحي لهذا الكتاب جعلني؛ من جهة أفهم أكثر أن ما يسمى ب “الفتح الإسلامي” ليس سوى جريمة إبادة تم إضفاء طابع قدسي عليها (لا تختلف كثيرا عن جريمة إبادة الهنود الحمر. فقط هذه تمت باسم المدنية، وتلك تمت باسم الإسلام). ومن جهة أخرى وجود حاجة ملحة لتحرير الدين الإسلامي من ثقافة عرب الخليج التي مدارها هو العبودية؛ إذ في نظري هناك حاجة ملحة لتحرير الإسلام الذي كان ولا زال رهينة في يد الحكام، يستغلونه لمآرب لا تمت للدين بصلة بل تتناقض معه.

Comments

comments