محمد أمزيان: رحيل آخر قادة انتفاضة الريف

محمد أمزيان

محمد أمزيان

مات عمي عبد السلام أمزيان في إسبانيا، وفيها دفن، وبموته يرحل عن هذه الدنيا آخر عضو من الدائرة الأولى التي تشكلت منها قيادة انتفاضة الريف 59/58. إسبانيا احتضنته حيا وتأويه الآن ميتا، وإلى الأبد. فشكرا للزمن الذي علمنا أن الوطن ليس جغرافيا مسيجة بالشعارات.. الوطن جرح مستمر.

كنتَ أول المنفيين بعد الاستقلال يا عمي وأقدمهم على الإطلاق. قلت لي ذات يوم عبر الهاتف: “ما زلت على الطريق”. الطريق إلى الإنسانية طويل يا عمي. أتذكُر يا عمي حينما رأيتك أول مرة في مدينتك الإسبانية؟ جلسنا على مقهى في الميناء وكنا جميعا ننظر في اتجاه الوطن. كنتَ تحكي، وكنتُ أسمع حديثك بريفية أصيلة تتخللها لكنة إسبانية محببة. كنتَ تضحك رغم الألم. مدينتك الإسبانية التي قضّيت فيها عمرك، تشبه المدينة التي سُجنت فيها. إنها الحسيمة المنفية الآن. كان التدافع السياسي آنذاك لا يرحم. اطمئن يا عمي فالمشهد لم يتغير. ما زال التدافع قاسيا وآلام المخاض عسيرة.

“نحن الذين جئنا بعدكم لا نستحقكم. خذلناكم حين نسيناكم، خذلناكم في منافيكم، خذلناكم حينما توهمنا أننا أشجع منكم. نحن خائفون حتى من مجرد ذكر أسمائكم أمام أبنائنا. نخشى أن يحمل السحاب أحلامكم للأجيال القادمة”

أتذكّر كيف حوّلتَ مأساتك إلى مرح تُعبر عنه قسماتُ وجهك الضاحك وأنت تحكي قصة المغامرة الكبيرة. وبعد أن آلت الانتفاضة إلى ما آلت إليه، خضتَ آخر معركة من أجل الكرامة، فتكفلتَ بتأمين مرور اللاجئين إلى “بر النصارى” الآمن. في ذلك الوقت كان ابن عمك، قائد الانتفاضة، يتنقل عبر جبال الريف الشرقية في اتجاه مليلية. كنت أنت وصلت، وكان هو يخوض معركة النجاة وسط الثلوج. أمامه المجهول وخلفه كتيبة من الجيش. لماذا يا عمي تركتمونا أيتاما مرة أخرى؟ كنتَ ضابطا واعدا في الشرطة وكان ابن عمك خريج القرويين بشهادة العالِمية. لماذا سبحتما ضد التيار؟ قد تقول لي لأن الواجب نادانا فلبينا النداء، ولكن ها أنت الآن في مكان قصي ولا أحد يتذكرك، وابن عمك لم يعد من منفاه إلا محمولا على النعش.

نحن الذين جئنا بعدكم لا نستحقكم. خذلناكم حين نسيناكم، خذلناكم في منافيكم، خذلناكم حينما توهمنا أننا أشجع منكم. نحن خائفون حتى من مجرد ذكر أسمائكم أمام أبنائنا. نخشى أن يحمل السحاب أحلامكم للأجيال القادمة. حينما سمعت أنك ستدفن هناك بعيدا عن ريفك، تألمت كثيرا لاعتقادي الساذج أن الوطن إن لم يتقبلك وأنت حي، فسيفتح لك ذراعيه وأنت ميت. لكنني أدركت الآن أن بعض الأوطان لا أحضان لها. كانت عودتك إلى الريف قصيرة، استقبلوك في الميناء، أُلقيتْ كلماتٌ بالمناسبة، انزعجت أجهزة الأمن وراحت تتساءل: من يكون هذا القادم من دخان التاريخ المنسي؟ كيف أتى؟ عم يتحدث؟ التقيتك آخر مرة في الحسيمة وكنتَ حائرا تتساءل: أهذا حقا ما رجعت إليه؟ ثم عدتَ من حيث أتيت خائبا.

عبد السلام أمزيان

عبد السلام حدو موح أمزيان
أحد قادة انتفاضة الريف 59/58

ولد الراحل في الثلاثينات من القرن الماضي وكان أحد أوائل ضباط الشرطة بعد الاستقلال. عين في الحسيمة، وعندما نقل ابن عمه محمد سلام أمزيان من سجن تطوان إلى سجن الحسيمة عام 57، قام  بزيارته في إطار عائلي، ما دفع إدارته لمعاقبته فتم سجنه ثم نقله تعسفيا إلى البلدة الحدودية مع سبتة “كستييخوس”. وبعد قيام الانتفاضة في أواخر 58، انضم إليها وكان من الحلقة الأولى إلى جانب ابن عمه الذي كلفه بتنظيم المنتفضين للحفاظ على الأمن، كما كُلف بمهمات تواصلية بحكم إتقانه اللغة الإسبانية. وعندما فشلت الحركة أشرف على عملية وصول اللاجئين الريفيين إلى سبتة ومنها إلى ألميريا. مع بداية الستينات، وبعد عفو ملكي، عاد جميع المنفيين.. إلا هو وقائد الانتفاضة الذي كان قد التحق بالأمير الخطابي في القاهرة قادما إليها من إشبيلية.

توفي عبد السلام حدو موح أمزيان يوم 11 يناير 2019 في ألميريا، ودفن في مورسية.

فاسأل بَلنسية ما شأن مُرسية *** وأين شاطبة أم أين جَيّان

(أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس)

 

المساء، 18 يناير 2019

Comments

comments