محمد أمزيان: هولندا تطلب التعويض من بقيوة

محمد أمزيان

محمد أمزيان

كانت الأرض خلفهم قاحلة جدباء والبحر أمامهم كريم جواد. البحر عالمهم الوحيد، منه يقتاتون وعبره يتواصلون مع العالم. كان من الطبيعي جدا أن يتسامروا في ما بينهم حول معالم الجزيرة الخضراء وملقا وألميريا؛ متاجرها ومُهربيها وحاناتها ونساء الليل فيها.. وإن سألتهم عن فاس أو مكناس أو الدار البيضاء، يهزون رؤوسهم بلا مبالاة.

هؤلاء هم رجال بقيوة الريفية الذين اعتادوا أن يرصدوا الأفق. يمكن القول إنها رياضتهم المفضلة الوحيدة، فهم لا يفلحون أرضا لا تصلح أصلا للفلاحة، ولا يتدخلون في المشاحنات السياسية الدموية بين جيرانهم الورياغليين الذين يبيعون أعز ما يملكون لاقتناء بندقية خماسية أو سباعية يتمنطقون بها في الأسواق، ويجربون دقة إصابتها في بعضهم البعض. “البحر لنا والسياسة لهم”.. هكذا كانت فلسفة البقيويين في الحياة.  

وكانت “أنَّا” تغازل أمواج البحر الهادئة في ذلك اليوم الجميل من شهر أبريل، إلى أن أتوها بغتة.. ثم اندلعت أزمة دبلوماسية دولية، وحارت حكومات ثلاث دول حول الصيغة التي يمكن الانتقام بها لشرف “أنَّا” الذي انتهك فوق مياه المتوسط. كانت السفينة الشراعية الهولندية (Anna) تبحر نحو أندونيسيا وحينما وصلت أمام “الحصن الإسباني” قرب الساحل الريفي، اعترض سبيلها “قراصنة” بقيوة فاستولوا عليها دون مقاومة. ولما تأكد حادث القرصنة هدد الهولنديون بالانتقام، ولكن ممن ينتقمون؟ ولمن يشتكون؟ “الحكومة المغربية لها سلطة جد محدودة على سكان الريف”، هكذا قدرت برلين التي استنجدت بها هولندا.

تمت القرصنة يوم 28 أبريل 1895، وخلال الشهور اللاحقة ستشكل الحادثة موضوعا لمراسلات دبلوماسية بين ثلاث عواصم أوروبية فضلا عن جبل طارق: لاهاي، برلين، مدريد. ستة دبلوماسيين اهتموا بمصير “أنَّا” اهتماما مباشرا: وزير خارجية هولندا “رول”، سفير هولندا في برلين “فان خاودريان”، سفير ألمانيا في طنجة “فان طاطنباخ” الذي كان يمثل المصالح الهولندية في المغرب أيضا، مستشار السفارة الألمانية في طنجة “فون مينزينغن”، سكرتير المفوضية الألمانية في لاهاي “فون رايخنو” وسفير هولندا في مدريد “فان هيرفاينن”، ونُشرت مراسلاتهم في كتاب صدر في العام 1972 بالهولندية تحت عنوان: “مستندات متعلقة بسياسة هولندا الخارجية ما بين 1848 و1919″.

“.. وكانت “أنّا” بمثابة القربان الذي لطخ هواية البقيويين البحرية بالدم، قبل أن تندثر نهائيا مع أسر الباخرة الحربية الإسبانية “كونشا”.. ما يزال رجال بقيوة يتأملون البحر، لكن حبهم للقرصنة ضاع إلى الأبد”

في فاتح مايو 1895، كتب سفير هولندا في جبل طارق إلى حكومته يبلغها بأن “قراصنة الريف قتلوا القبطان وجرحوا ملازمه الأول ونهبوا السفينة”، وبعد يومين يطلب وزير الخارجية الهولندي عبر سفير بلاده في برلين أن يستعين بألمانيا للضغط على الحكومة الشريفية “لمطاردة وعقاب المعتدين” وأن هولندا “تحتفظ بحق طلب تعويضات”. وبالنظر للتهافت الأوروبي في تلك الفترة على المستعمرات، وحساسية الوضع في المغرب الذي تتنافس أربع دول لاقتسامه: فرنسا، ألمانيا، إنجلترا وإسبانيا فإنه من الصعب جمع الدول الأوروبية “تحت قبعة واحدة”، بحسب برلين، وأنه لا مناص من انتظار مساعي ألمانيا مع السلطان، وهذا ما دفع وزير الخارجية الهولندي إلى اقتراح تأجيل مسألة التعويضات إلى وقت لاحق والتشديد على مسألة “معاقبة المجرمين”. وبموازاة مع الجهود الدبلوماسية، حركت هولندا بعض القطع البحرية نحو المتوسط لقصف بقيوة بنفسها إن تعذر عقابها من طرف المخزن.

13 يوليوز 1895، طاطنباخ يتوصل برسالة من الصدر الأعظم  مفادها أن السلطان أمر بأن يسلمه مبلغ 112500 ف (4500 جنيه) خلال أربعة أشهر ابتداء من 9 يوليوز. وهكذا حصلت هولندا على تعويضاتها من المخزن، أما بقيوة فتعرضت لحملة تنكيل واسعة على يد بوشتى البغدادي في يناير 1898، فقتل من قتل ونفى من نفى إلى حصن الصويرة وإلى الجزائر الفرنسية.. وكانت “أنّا” بمثابة القربان الذي لطخ هواية البقيويين البحرية بالدم، قبل أن تندثر نهائيا مع أسر الباخرة الحربية الإسبانية “كونشا”..

ما يزال رجال بقيوة يتأملون البحر، لكن حبهم للقرصنة ضاع إلى الأبد.

* المساء، 10 يناير 2019

Comments

comments